حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ بَكْرٍ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْأَغَرِّ: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ، أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]، قَالَ: «نُودُوا أَنْ صِحُّوا فَلَا تَسْقَمُوا، وَاخْلُدُوا فَلَا تَمُوتُوا، وَانْعَمُوا فَلَا تَبْأَسُوا»
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا قَبِيصَةُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْأَغَرِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ،﴾ [الأعراف: ٤٣] الْآيَةَ، قَالَ: " يُنَادِي مُنَادٍ: إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَسْقَمُوا أَبَدًا " وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي (أَنْ) الَّتِي مَعَ (تِلْكُمُ)، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: هِيَ (أَنَّ) الثَّقِيلَةُ خُفِّفَتْ، وَأُضْمِرَ فِيهَا، وَلَا يَسْتَقِيمُ أَنْ نَجْعَلَهَا الْخَفِيفَةَ لِأَنَّ بَعْدَهَا اسْمًا، وَالْخَفِيفَةُ لَا تَلِيهَا الْأَسْمَاءُ، وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر البسيط]
فِي فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الْهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا | أَنْ هَالِكٌ كُلُّ مَنْ يَحْفَى وَيَنْتَعِلُ |
وَقَالَ آخَرُ:
[البحر الوافر]
-[٢٠٤]- أُكَاشِرُهُ وَأَعْلَمُ أَنْ كِلَانَا | عَلَى مَا سَاءَ صَاحِبَهُ حَرِيصُ |
قَالَ: فَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ كِلَانَا قَالَ، وَيَكُونُ كَقَوْلِهِ:
﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا﴾ [الأعراف: ٤٤] فِي مَوْضِعِ (أَيْ)، وَقَوْلُهُ:
﴿أَنْ أَقِيمُوا﴾ [الأنعام: ٧٢]. وَلَا تَكُونُ (أَنْ) الَّتِي تَعْمَلُ فِي الْأَفْعَالِ، لِأَنَّكَ تَقُولُ: غَاظَنِي أَنْ قَامَ، وَأَنْ ذَهَبَ، فَتَقَعُ عَلَى الْأَفْعَالِ وَإِنْ كَانَتْ لَا تَعْمَلُ فِيهَا، وَفِي كِتَابِ اللَّهِ:
﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا﴾ [ص: ٦] أَيِ امْشُوا. وَأَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ هَذَا بَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَقَالَ: غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ مَعَ (أَنْ) فِي هَذَا الْمَوْضِعِ (هَاءٌ) مُضْمَرَةٌ، لِأَنَّ (أَنْ) دَخَلَتْ فِي الْكَلَامِ لِتَقِي مَا بَعْدَهَا قَالَ: وَ (أَنْ) هَذِهِ الَّتِي مَعَ (تِلْكُمُ) هِيَ الدَّائِرَةُ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا مَا ضَارَعَ الْحِكَايَةَ، وَلَيْسَ بِلَفْظِ الْحِكَايَةِ، نَحْو: نَادَيْتُ أَنَّكَ قَائِمٌ، وَأَنْ زَيْدٌ قَائِمٌ، وَأَنْ قُمْتُ، فَتَلِي كُلَّ الْكَلَامِ، وَجَعَلْتَ (أَنْ) وِقَايَةً، لِأَنَّ النِّدَاءَ يَقَعُ عَلَى مَا بَعْدَهِ، وَسَلِمَ مَا بَعْدَ (أَنْ) كَمَا سَلِمَ مَا بَعْدَ الْقَوْلِ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ: قُلْتُ: زَيْدٌ قَائِمٌ، وَقُلْتُ: قَامَ، فَتَلِيهَا مَا شِئْتَ مِنَ الْكَلَامِ؟ فَلَمَّا كَانَ النِّدَاءُ بِمَعْنَى الظَّنِّ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنَ الْقَوْلِ سَلِمَ مَا بَعْدَ (أَنْ)، وَدَخَلَتْ (أَنْ) وِقَايَةً. قَالَ: وَأَمَّا (أَيْ) فَإِنَّهَا لَا -[٢٠٥]- تَكُونُ عَلَى أَنْ لَا يَكُونَ: أَيْ جَوَابُ الْكَلَامِ، وَأَنْ تَكْفِي مِنَ الِاسْمِ