الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ، وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ، وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَرْسَلْنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ؟ وَمَا الْجَالِبُ لِهَذِهِ الْبَاءِ فِي قَوْلِهِ ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة: ٩٢] فَإِنْ قُلْتَ: جَالِبُهَا قَوْلُهُ ﴿أَرْسَلْنَا﴾ [البقرة: ١٥١] وَهِيَ مِنْ صِلَتِهِ، فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ صِلَةَ «مَا» قَبْلَ «إِلَّا» بَعْدَهَا؟ وَإِنْ قُلْتَ: جَالِبُهَا غَيْرَ ذَلِكَ، فَمَا هُوَ؟ وَأَيْنَ الْفِعْلُ الَّذِي جَلَبَهَا؟ قِيلَ: قَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْبَاءُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: «بِالْبَيِّنَاتِ» مِنْ صِلَةِ «أَرْسَلْنَا»، وَقَالَ: «إِلَّا» فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَمَعَ الْجَحْدِ وَالِاسْتِفْهَامِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ بِمَعْنَى «غَيْرِ» وَقَالَ: مَعْنَى الْكَلَامِ: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ غَيْرَ رِجَالٍ نُوحِي إِلَيْهِمْ، وَيَقُولُ عَلَى ذَلِكَ: مَا ضَرَبَ إِلَّا أَخُوكَ زَيْدًا، وَهَلْ كَلَّمَ إِلَّا أَخُوكَ عَمْرًا، بِمَعْنَى: مَا ضَرَبَ زَيْدًا غَيْرَ أَخِيكَ، وَهَلْ كَلَّمَ عَمْرًا إِلَّا أَخُوكَ؟ وَيُحْتَجُّ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ أَوْسِ بْنِ حَجَرٍ:
[البحر الكامل]