وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩] وَكَانَ أَمَامَهُمْ وَقُدَّامَهُمْ مَلِكٌ. كَمَا:
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩] قَالَ قَتَادَةُ: أَمَامَهُمْ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقُولُ: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ [الجاثية: ١٠] وَهِيَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: كَانَ فِي الْقِرَاءَةِ: وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَحِيحَةٍ غَصْبًا
وَقَدْ ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ: «وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَدْ جَعَلَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ وَرَاءَ مِنْ حُرُوفِ الْأَضْدَادِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ يَكُونُ لِمَا هُوَ أَمَامَهُ وَلِمَا خَلْفَهُ، وَاسْتَشْهَدَ لِصِحَّةِ ذَلِكَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
[البحر الطويل]

أَيَرْجُو بَنُو مَرْوَانَ سَمْعِي وَطَاعَتِي وَقَوْمِي تَمِيمٌ وَالْفَلَاةُ وَرَائِيَا
-[٣٥٥]- بِمَعْنَى أَمَامِي، وَقَدْ أَغْفَلَ وَجْهَ الصَّوَابِ فِي ذَلِكَ. وَإِنَّمَا قِيلَ لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ: هُوَ وَرَائِي، لِأَنَّكَ مِنْ وَرَائِهِ، فَأَنْتَ مُلَاقِيهِ كَمَا هُوَ مُلَاقِيكَ، فَصَارَ: إِذْ كَانَ مُلَاقِيكَ، كَأَنَّهُ مِنْ وَرَائِكَ وَأَنْتَ أَمَامَهُ. وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ لَا يُجِيزُ أَنْ يُقَالَ لِرَجُلٍ بَيْنَ يَدَيْكَ: هُوَ وَرَائِي، وَلَا إِذَا كَانَ وَرَاءَكَ أَنْ يُقَالَ: هُوَ أَمَامِي، وَيَقُولُ: إِنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْمَوَاقِيتِ مِنَ الْأَيَّامِ وَالْأَزْمِنَةِ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: وَرَاءَكَ بَرْدٌ شَدِيدٌ، وَبَيْنَ يَدَيْكَ حَرٌّ شَدِيدٌ، لِأَنَّكَ أَنْتَ وَرَاءَهُ، فَجَازَ لِأَنَّهُ شَيْءٌ يَأْتِي، فَكَأَنَّهُ إِذَا لَحِقَكَ صَارَ مِنْ وَرَائِكَ، وَكَأَنَّكَ إِذَا بَلَغْتَهُ صَارَ بَيْنَ يَدَيْكَ. قَالَ: فَلِذَلِكَ جَازَ الْوَجْهَانِ


الصفحة التالية
Icon