حُلِيُّ اسْتَعَارُوهُ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ وَثِيَابٌ وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ فِي ذَلِكَ مُتَقَارِبَاتُ الْمَعْنَى، لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُهْلِكْ نَفْسَهُ، لِغَلَبَةِ هَوَاهُ عَلَى مَا أَمَرَ، فَإِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ فِي اللُّغَةِ أَنْ يَقُولَ: فَعَلَ فُلَانٌ هَذَا الْأَمْرَ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ وَفِعْلَهُ، وَهُوَ لَا يَضْبِطُهَا وَفِعْلَهُ، وَهُوَ لَا يُطِيقُ تَرْكَهُ. فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَسَوَاءٌ بِأَيِّ الْقِرَاءَاتِ الثَّلَاثِ قَرَأَ ذَلِكَ الْقَارِئُ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ كَسَرَ الْمِيمَ مِنَ الْمِلْكِ، فَإِنَّمَا يُوَجِّهُ مَعْنَى الْكَلَامِ إِلَى مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ وَنَحْنُ نَمْلِكُ الْوَفَاءَ بِهِ لِغَلَبَةِ أَنْفُسِنَا إِيَّانَا عَلَى خِلَافِهِ، وَجَعَلَهُ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: هَذَا مِلْكُ فُلَانٍ لِمَا يَمْلِكُهُ مِنَ الْمَمْلُوكَاتِ، وَأَنَّ مَنْ فَتَحَهَا، فَإِنَّهُ يُوَجِّهُ مَعْنَى الْكَلَامِ إِلَى نَحْوِ ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّهُ يَجْعَلُهُ مَصْدَرًا مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: مَلَكْتُ الشَّيْءَ أَمْلِكُهُ مَلْكًا وَمَلْكَةً، كَمَا يُقَالُ: غَلَبْتُ فُلَانًا أَغْلِبُهُ غَلْبًا وَغَلْبَةً، وَأَنَّ مَنْ ضَمَّهَا فَإِنَّهُ وَجَّهُ مَعْنَاهُ إِلَى مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِسُلْطَانِنَا وَقُدْرَتِنَا، أَيْ وَنَحْنُ نَقْدِرُ أَنْ نَمْتَنِعَ مِنْهُ، لِأَنَّ كُلَّ مَنْ قَهَرَ شَيْئًا فَقَدْ صَارَ لَهُ السُّلْطَانُ عَلَيْهِ. وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ النَّاسِ قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَهُ بِالضَّمِّ، فَقَالَ: أَيُّ مُلْكٍ كَانَ يَوْمَئِذٍ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَإِنَّمَا كَانُوا بِمِصْرَ مُسْتَضْعَفِينَ، فَأَغْفَلَ مَعْنَى الْقَوْمِ وَذَهَبَ غَيْرُ مُرَادِهِمْ ذَهَابًا بَعِيدًا، وَقَارِئُو ذَلِكَ بِالضَّمِّ لَمْ يَقْصِدُوا الْمَعْنَى الَّذِي ظَنَّهُ هَذَا الْمُنْكِرُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا قَصَدُوا إِلَى أَنَّ مَعْنَاهُ: مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِسُلْطَانٍ كَانَتْ لَنَا عَلَى أَنْفُسِنَا نَقْدِرُ أَنْ نَرُدَّهَا عَمَّا أَتَتْ، لِأَنَّ هَوَاهَا غَلَبَنَا عَلَى إِخْلَافِكَ الْمَوْعِدَ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ [طه: ٨٧] يَقُولُ: وَلَكِنَّا حَمَلْنَا أَثْقَالًا وَأَحْمَالًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ، يَعْنُونَ مِنْ حُلِيِّ آلِ فِرْعَوْنَ، وَذَلِكَ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا أَرَادَ -[١٣٦]- مُوسَى أَنْ يَسِيرَ بِهِمْ لَيْلًا مِنْ مِصْرَ بِأَمْرِ اللَّهِ إِيَّاهُ بِذَلِكَ، أَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَعِيرُوا مِنْ أَمْتِعَةِ آلِ فِرْعَوْنَ وَحُلِيِّهِمْ، وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ مُغْنِمُكُمْ ذَلِكَ، فَفَعَلُوا، وَاسْتَعَارُوا مِنْ حُلِيِّ نِسَائِهِمْ وَأَمْتِعَتِهِمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُمْ لِمُوسَى حِينَ قَالَ لَهُمْ ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ [طه: ٨٧] وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ