السَّاكِنُ غَيْرَ ظَاهِرٍ عَلَى اللِّسَانِ حُذِفَتْ، كَمَا فَعَلُوا ذَلِكَ بِـ إِلَّا لَا، فَحَذَفُوا النُّونَ مِنْ (إِنَّ) لِخَفَائِهَا، إِذْ كَانَتْ مُنْدَغِمَةً فِي اللَّامِ مِنْ (لَا). وَقَرَأَ ذَلِكَ عَاصِمٌ: (نُجِّي الْمُؤْمِنِينَ) بَنُونٍ وَاحِدَةٍ، وَتَثْقِيلِ الْجِيمِ، وَتَسْكِينِ الْيَاءِ. فَإِنْ يَكُنْ عَاصِمٌ وَجَّهَ قِرَاءَتَهُ ذَلِكَ إِلَى قَوْلِ الْعَرَبِ: ضُرِبَ الضَّرْبُ زَيْدًا، فَكَنَّى عَنِ الْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ النَّجَاءُ، وَجَعَلَ الْخَبَرَ أَعْنِي خَبَرَ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ الْمُؤْمِنِينَ، كَأَنَّهُ أَرَادَ: وَكَذَلِكَ نُجِّيَ النَّجَاءُ الْمُؤْمِنِينَ، فَكَنَّى عَنِ النَّجَاءِ، فَهُوَ وَجْهٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَصْوَبَ، وَإِلَّا فَإِنَّ الَّذِي قَرَأَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَا قَرَأَهُ لَحْنٌ، لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ اسْمٌ عَلَى الْقِرَاءَةِ الَّتِي قَرَأَهَا مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَالْعَرَبُ تَرْفَعُ مَا كَانَ مِنَ الْأَسْمَاءِ كَذَلِكَ. وَإِنَّمَا حَمَلَ عَاصِمًا عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ أَنَّهُ وَجَدَ الْمَصَاحِفَ بَنُونٍ وَاحِدَةٍ، وَكَانَ فِي قِرَاءَتِهِ إِيَّاهُ عَلَى مَا عَلَيْهِ قِرَاءَةُ الْقُرَّاءِ إِلْحَاقُ نُونٍ أُخْرَى لَيْسَتْ فِي الْمُصْحَفِ، فَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ زِيَادَةُ مَا لَيْسَ فِي الْمُصْحَفِ، وَلَمْ يَعْرِفْ لِحَذْفِهَا وَجْهًا يَصْرِفُهُ إِلَيْهِ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ الَّتِي لَا أَسْتَجِيزُ غَيْرَهَا فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا مَا عَلَيْهِ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ، مِنْ قِرَاءَتِهِ بِنُونَيْنِ، وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهَا، وَتَخْطِئَتِهَا خِلَافَهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ زَكَرِيَّا حِينَ نَادَى رَبَّهُ