أَخْبَرَ أَنَّهُ أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، وَلَا يُعْطِي الْمُعْطِي نَفْسَهُ، بَلْ إِنَّمَا يُعْطِي مَا هُوَ غَيْرُهُ، لِأَنَّ الْعَطِيَّةَ تَقْتَضِي الْمُعْطِي وَالْمُعْطَى وَالْعَطِيَّةَ، وَلَا تَكُونُ الْعَطِيَّةُ هِيَ الْمُعْطَى، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ هِيَ هُوَ، وَكَانَتْ غَيْرَهُ، وَكَانَتْ صُورَةُ كُلِّ خَلْقٍ بَعْضَ أَجْزَائِهِ، كَانَ مَعْلُومًا أَنَّهُ إِذَا قِيلَ: أَعْطَى الْإِنْسَانَ صُورَتَهُ، إِنَّمَا يَعْنِي أَنَّهُ أَعْطَى بَعْضَ الْمَعَانِي الَّتِي بِهِ مَعَ غَيْرِهِ دُعِيَ إِنْسَانًا، فَكَأَنَّ قَائِلَهُ قَالَ: أَعْطَى كُلَّ خَلْقٍ نَفْسَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِذَا وُجِّهَ إِلَيْهِ الْكَلَامُ بِالْمَعْرُوفِ مِنْ مَعَانِي الْعَطِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يَحْتَمِلُهُ الْكَلَامُ. فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَالْأَصْوَبُ مِنْ مَعَانِيهِ أَنْ يَكُونَ مُوَجَّهًا إِلَى أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ أَعْطَاهُ رَبُّهُ مِثْلَ خَلْقِهِ، فَزَوَّجَهُ بِهِ، ثُمَّ هَدَاهُ لِمَا بَيَّنَّا، ثُمَّ تَرَكَ ذِكْرَ مِثْلٍ، وَقِيلَ ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ [طه: ٥٠] كَمَا يُقَالُ: عَبْدُ اللَّهِ مِثْلُ الْأَسَدِ، ثُمَّ يُحْذَفُ مِثْلُ، فَيَقُولُ: عَبْدُ اللَّهِ الْأَسَدُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ فِرْعَوْنُ لِمُوسَى إِذْ وَصَفَ مُوسَى رَبَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ بِمَا وَصَفَهُ بِهِ مِنْ عَظِيمِ السُّلْطَانِ، وَكَثْرَةِ الْإِنْعَامِ عَلَى خَلْقِهِ وَالْإِفْضَالِ: فَمَا شَأْنُ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ مِنْ قَبْلِنَا لَمْ تُقِرَّ بِمَا تَقُولُ، وَلَمْ تُصَدِّقْ بِمَا تَدْعُو إِلَيْهِ، وَلَمْ تُخْلِصْ لَهُ الْعِبَادَةَ، وَلَكِنَّهَا عَبَدَتِ الْآلِهَةَ وَالْأَوْثَانَ مِنْ دُونِهِ، إِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا تَصِفُ مِنْ أَنَّ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا خَلْقُهُ، وَأَنَّهَا فِي نِعَمِهِ تَتَقَلَّبُ، وَفِي مِنَنِهِ تَتَصَرَّفُ؟ فَأَجَابَهُ مُوسَى فَقَالَ: عِلْمُ هَذِهِ الْأُمَمِ الَّتِي مَضَتْ مِنْ قَبْلِنَا فِيمَا فَعَلْتَ مِنْ ذَلِكَ، عِنْدَ رَبِّي فِي


الصفحة التالية
Icon