حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤] قَالَ: اجْعَلْنَا مُؤْتَمِّينَ بِهِمْ، مُقْتَدِينَ بِهِمْ ". قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ مَعَاصِيكَ، وَيَخَافُونَ عِقَابُكَ إِمَامًا يَأْتَمُّونَ بِنَا فِي الْخَيْرَاتِ، لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا سَأَلُوا رَبَّهُمْ أَنْ يَجْعَلَهُمْ لِلْمُتَّقِينَ أَئِمَّةً، وَلَمْ يَسْأَلُوهُ أَنْ يَجْعَلَ الْمُتَّقِينَ لَهُمْ إِمَامًا، وَقَالَ ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤] وَلَمْ يَقُلْ أَئِمَّةً. وَقَدْ قَالُوا: وَاجْعَلْنَا وَهُمْ جَمَاعَةٌ، لِأَنَّ الْإِمَامَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: أَمَّ فُلَانٌ فُلَانًا إِمَامًا، كَمَا يُقَالُ: قَامَ فُلَانٌ قِيَامًا، وَصَامَ يَوْمَ كَذَا صِيَامًا. وَمَنْ جَمَعَ الْإِمَامَ أَئِمَّةً جَعَلَ الْإِمَامَ اسْمًا، كَمَا يُقَالُ: أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ إِمَامٌ، وَأَئِمَّةٌ لِلنَّاسِ. فَمَنْ وَحَّدَ قَالَ: يَأْتَمُّ بِهِمُ النَّاسُ. وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي قُلْنَاهُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِ نَحْوِيِّي أَهْلِ الْكُوفَةِ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ: الْإِمَامُ فِي قَوْلِهِ: ﴿لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤] جَمَاعَةٌ، كَمَا تَقُولُ: كُلُّهُمْ عُدُولٌ. قَالَ: وَيَكُونُ عَلَى الْحِكَايَةَ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ إِذَا قِيلَ لَهُ: مَنْ أَمِيرُكُمْ: هَؤُلَاءِ أَمِيرُنَا. وَاسْتَشْهَدَ لِذَلِكَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
[البحر الكامل]
-[٥٣٤]- يَا عَاذِلَاتِي لَا تُرِدْنَ مَلَامَتِي | إِنَّ الْعَوَاذِلَ لَسْنَ لِي بِأَمِيرِ |