فَزِيدٌ مُثْبَتٌ لَهُ الْقِيَامُ، لِأَنَّهُ مُسْتَثْنَى مِمَّا قَبْلَ إِلَّا، وَمَا قَبْلَ إِلَّا مَنْفِيُّ عَنْهُ الْقِيَامُ، وَأَنْ يَكُونَ مَا بَعْدَهُ إِنْ كَانَ مَا قَبْلَهُ مُثْبَتًا مَنْفِيًّا كَقَوْلِهِمْ: قَامَ الْقَوْمُ إِلَّا زَيْدًا؛ فَزَيْدٌ مَنِفِيُّ عَنْهُ الْقِيَامُ؛ وَمَعْنَاهُ: إِنَّ زَيْدًا لَمْ يَقُمْ، وَالْقَوْمُ مُثْبَتٌ لَهُمُ الْقِيَامُ، ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ، ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ [النمل: ١١]، فَقَدْ أَمَّنَهُ اللَّهُ بِوَعْدِهِ الْغُفْرَانَ وَالرَّحْمَةَ، وَأَدْخِلَهُ فِي عِدَادِ مَنْ لَا يَخَافُ لَدَيْهِ مِنَ الْمُرْسَلِينَ. فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: أُدْخِلَتْ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، لِأَنَّ إِلَّا تَدْخُلُ فِي مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ، كَمَثَلِ قَوْلِ الْعَرَبِ: مَا أَشْتَكِي إِلَّا خَيْرًا؛ فَلَمْ يَجْعَلْ قَوْلَهُ: إِلَّا خَيْرًا عَلَى الشَّكْوَى، وَلَكِنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ إِذَا قَالَ: مَا أَشْتَكِي شَيْئًا أَنْ يَذْكُرَ عَنْ نَفْسِهِ خَيْرًا، كَأَنَّهُ قَالَ: مَا أَذْكُرُ إِلَّا خَيْرًا. وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: يَقُولُ الْقَائِلُ: كَيْفَ صَيَّرَ خَائِفًا مَنْ ظَلَمَ، ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ، وَهُوَ مَغْفُورٌ لَهُ؟ فَأَقُولُ لَكَ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَقُولَ: إِنَّ الرُّسُلَ مَعْصُومَةٌ مَغْفُورٌ لَهَا آمِنَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ خَلَطَ عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا فَهُوَ يَخَافُ وَيَرْجُو، فَهَذَا وَجْهٌ. وَالْآخَرُ: أَنْ يَجْعَلَ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ الَّذِينَ تُرِكُوا فِي الْكَلِمَةِ، لِأَنَّ الْمَعْنَى: لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ، إِنَّمَا الْخَوْفُ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، ثُمَّ اسْتَثْنَى فَقَالَ: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا﴾ [النمل: ١١] يَقُولُ: كَانَ مُشْرِكًا، فَتَابَ مِنَ الشِّرْكِ، وَعَمِلَ حَسَنًا، فَذَلِكَ مَغْفُورٌ لَهُ، وَلَيْسَ يَخَافُ. قَالَ: وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: إِنَّ إِلَّا فِي اللُّغَةِ بِمَنْزِلَةِ الْوَاوِ، وَإِنَّمَا مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ: لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ، وَلَا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا، قَالَ:


الصفحة التالية