وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءِ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿مِنْ سَبَإٍ﴾ [النمل: ٢٢] فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ ﴿مِنْ سَبَإٍ﴾ [النمل: ٢٢]، بِالْإِجْرَاءِ. الْمَعْنَى أَنَّهُ رَجُلٌ اسْمُهُ سَبَأٌ. وَقَرَأَهُ بَعْضُ قُرَّاءِ أَهْلِ مَكَّةَ وَالْبَصْرَةَ (مِنْ سَبَأَ)، بِتَرْكِ الْإِجْرَاءِ، عَلَى أَنَّهُ اسْمُ قَبِيلَةٍ أَوْ لِامْرَأَةٍ. وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ، وَقَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عُلَمَاءُ مِنَ الْقُرَّاءِ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ؛ فَالْإِجْرَاءُ فِي سَبَإٍ وَغَيْرُ الْإِجْرَاءِ صَوَابٌ، لِأَنَّ سَبَأَ إِنْ كَانَ رَجُلًا كَمَا جَاءَ بِهِ الْأَثَرُ، فَإِنَّهُ إِذَا أُرِيدَ بِهِ اسْمُ الرَّجُلِ أُجْرِيَ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ اسْمُ الْقَبِيلَةِ لَمْ يُجْرَ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ فِي إِجْرَائِهِ:
[البحر البسيط]

الْوَارِدُونَ وَتَيْمٌ فِي ذَرَا سَبَإٍ قَدْ عَضَّ أَعْنَاقَهُمْ جِلْدُ الْجَوَامِيسِ
يُرْوَى: ذَرَا، وَذُرَى، وَقَدْ حُدِّثْتُ عَنِ الْفَرَّاءِ عَنِ الرُّؤَاسِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ كَيْفَ لَمْ يُجْرِ سَبَأً؟ قَالَ: لَسْتُ أَدْرِي مَا هُوَ؛ فَكَأَنَّ أَبَا عَمْرٍو تَرَكَ إِجْرَاءَهُ إِذْ لَمْ يَدْرِ مَا هُوَ، كَمَا تَفْعَلُ الْعَرَبُ بِالْأَسْمَاءِ الْمَجْهُولَةِ الَّتِي لَا تَعْرِفُهَا مِنْ تَرْكِ الْإِجْرَاءِ. حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ: هَذَا أَبُو مَعْرُورَ قَدْ جَاءَ، فَتَرَكَ إِجْرَاءَهُ إِذْ لَمْ يَعْرِفْهُ فِي أَسْمَائِهِمْ. وَإِنْ كَانَ سَبَأٌ جَبَلًا أُجْرِيَ لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الْجَبَلُ بِعَيْنِهِ، وَإِنْ لَمْ يُجْرَ فَلِأَنَّهُ يُجْعَلُ اسْمًا لِلْجَبَلِ وَمَا حَوْلَهُ مِنَ الْبُقْعَةِ.


الصفحة التالية
Icon