حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [النمل: ٤٣] قَالَ: كُفْرُهَا بِقَضَاءِ اللَّهِ، صَدَّهَا أَنْ تَهْتَدِيَ لِلْحَقِّ ". وَلَوْ قِيلَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَصَدَّهَا سُلَيْمَانُ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، بِمَعْنَى: مَنَعَهَا وَحَالَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ، كَانَ وَجْهًا حَسَنًا. وَلَوْ قِيلَ أَيْضًا: وَصَدَّهَا اللَّهُ ذَلِكَ بِتَوْفِيقِهَا لِلْإِسْلَامِ، كَانَ أَيْضًا وَجْهًا صَحِيحًا.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [النمل: ٤٣] يَقُولُ: إِنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ كَانَتْ كَافِرَةً مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ. وَكُسِرَتِ الْأَلْفُ مِنْ قَوْلِهِ «إِنَّهَا» عَلَى الِابْتِدَاءِ. وَمَنْ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [النمل: ٤٣] التَّأْوِيلَ الَّذِي تَأَوَّلْنَا، كَانَتْ «مَا» مِنْ قَوْلِهِ ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ﴾ [النمل: ٤٣] فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالصَّدِّ، لِأَنَّ الْمَعْنَى فِيهِ لَمْ يَصُدَّهَا عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ جَهْلُهَا، وَأَنَّهَا لَا تَعْقِلُ، إِنَّمَا صَدَّهَا عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ عِبَادَتُهَا الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ دِينِ قَوْمِهَا وَآبَائِهَا، فَاتَّبَعَتْ فِيهِ آثَارَهُمْ. وَمَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ الْآخَرَيْنِ كَانَتْ «مَا» فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ، قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَأَسْلَمْتُ مَعَ -[٨١]- سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤] ذُكِرَ أَنَّ سُلَيْمَانَ لَمَّا أَقْبَلَتْ صَاحِبَةُ سَبَأَ تُرِيدُهُ، أَمَرَ الشَّيَاطِينَ فَبَنَوْا لَهُ صَرْحًا، وَهُوَ كَهَيْئَةِ السَّطْحِ مِنْ قَوَارِيرَ، وَأَجْرَى مِنْ تَحْتِهِ الْمَاءَ لِيَخْتَبِرَ عَقْلَهَا بِذَلِكَ، وَفَهْمَهَا عَلَى نَحْوِ الَّذِي كَانَتْ تَفْعَلُ هِيَ مِنْ تَوْجِيهِهَا إِلَيْهِ الْوَصَائِفَ وَالْوُصَفَاءَ لِيَمِيزَ بَيْنَ الذُّكُورِ مِنْهُمْ وَالْإِنَاثِ مُعَاتَبَةً بِذَلِكَ كَذَلِكَ.


الصفحة التالية
Icon