كَانُوا يَفْعَلُونَ مِنْ ذَلِكَ. وَأَصْلُ اللَّعْنِ: الطَّرْدُ وَالْإِبْعَادُ وَالْإِقْصَاءُ، يُقَالُ: لَعَنَ اللَّهُ فُلَانًا يَلْعَنُهُ لَعْنًا وَهُوَ مَلْعُونٌ، ثُمَّ يُصْرَفُ مَفْعُولٌ فَيُقَالُ هُوَ لَعِينٌ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّمَّاخِ بْنِ ضِرَارٍ:
[البحر الوافر]
ذَعَرْتُ بِهِ الْقَطَا وَنَفَيْتُ عَنْهُ | مَكَانَ الذِّئْبِ كَالرَّجُلِ اللَّعِينِ |
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ:
﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٨] تَكْذِيبٌ مِنْهُ لِلْقَائِلِينَ مِنَ الْيَهُودِ:
﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [البقرة: ٨٨] لِأَنَّ قَوْلَهُ:
﴿بَلْ﴾ [البقرة: ٨٨] دَلَالَةٌ عَلَى جَحْدِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ، وَإِنْكَارِهِ مَا ادَّعَوْا مِنْ ذَلِكَ؛ إِذْ كَانَتْ بَلْ لَا تَدْخُلُ فِي الْكَلَامِ إِلَّا نَقْضًا لِمَجْحُودٍ. فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَبَيِّنٌ أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ: وَقَالَتِ الْيَهُودُ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ يَا مُحَمَّدُ. فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَا ذَلِكَ كَمَا زَعَمُوا، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَقْصَى الْيَهُودَ وَأَبْعَدَهُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَطَرَدَهُمْ عَنْهَا وَأَخْزَاهُمْ بِجُحُودِهِمْ لَهُ وَلِرُسُلِهِ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ:
﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨]. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: -[٢٣٣]- مَعْنَاهُ: فَقَلِيلٌ مِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ، أَيْ لَا يُؤْمِنُ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ