الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩٧] يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَهُدًى﴾ [البقرة: ٩٧] وَدَلِيلٌ وَبُرْهَانٌ. وَإِنَّمَا سَمَّاهُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ هُدًى لِاهْتِدَاءِ الْمُؤْمِنِ بِهِ، وَاهْتِدَاؤُهُ بِهِ اتِّخَاذُهُ إِيَّاهُ هَادِيًا يَتْبَعُهُ وَقَائِدًا يَنْقَادُ لِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَحَلَالِهِ وَحَرَامِهِ. وَالْهَادِي مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَا تَقَدَّمَ أَمَامَهُ، وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِأَوَائِلِ الْخَيْلِ: هَوَادِيهَا، وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ أَمَامَهَا، وَكَذَلِكَ قِيلَ لِلْعُنُقِ: الْهَادِي، لِتَقَدُّمِهَا أَمَامَ سَائِرِ الْجَسَدِ. وَأَمَّا الْبُشْرَى فَإِنَّهَا الْبِشَارَةُ. أَخْبَرَ اللَّهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ الْقُرْآنَ لَهُمْ بُشْرَى مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمَهُمْ بِمَا أَعَدَّ لَهُمْ مِنَ الْكَرَامَةِ عِنْدَهُ فِي جَنَّاتِهِ، وَمَا هُمْ إِلَيْهِ صَائِرُونَ فِي مَعَادِهِمْ مِنْ ثَوَابِهِ. وَذَلِكَ هُوَ الْبُشْرَى الَّتِي بَشَّرَ اللَّهُ بِهَا الْمُؤْمِنِينَ فِي كِتَابِهِ؛ لِأَنَّ الْبِشَارَةَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ هِيَ إِعْلَامُ الرَّجُلِ بِمَا لَمْ يَكُنْ بِهِ عَالِمًا مِمَّا يَسُرُّهُ مِنَ الْخَيْرِ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِهِ أَوْ يَعْلَمَهُ مِنْ قِبَلِ غَيْرِهِ. وَقَدْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ قَتَادَةَ قَوْلٌ قَرِيبُ الْمَعْنَى مِمَّا قُلْنَاهُ
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " قَوْلُهُ: ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩٧] لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ -[٣٠١]- إِذَا سَمِعَ الْقُرْآنَ حَفِظَهُ وَرَعَاهُ وَانْتَفَعَ بِهِ وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ وَصَدَّقَ بِمَوْعُودِ اللَّهِ الَّذِي وَعَدَ فِيهِ، وَكَانَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ ذَلِكَ "


الصفحة التالية
Icon