﴿أَوَكُلَّمَا﴾ [البقرة: ١٠٠] وَ ﴿أَفَكُلَّمَا﴾ [البقرة: ٨٧] زَائِدَتَانَ لَا مَعْنَى لَهُمَا. وَأَمَّا الْعَهْدُ: فَإِنَّهُ الْمِيثَاقُ الَّذِي أَعْطَتْهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ رَبَّهُمْ لَيَعْمَلُنَّ بِهَا فِي التَّوْرَاةِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، ثُمَّ نَقَضَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى. فَوَبَّخَهُمْ جَلَّ ذِكْرُهُ بِمَا كَانَ مِنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَعَيَّرَ بِهِ أَبْنَاءَهُمْ إِذْ سَلَكُوا مِنْهَاجَهُمْ فِي بَعْضِ مَا كَانَ جَلَّ ذِكْرُهُ أَخَذَ عَلَيْهِمْ بِالْإِيمَانِ بِهِ مِنْ أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ فَكَفَرُوا وَجَحَدُوا مَا فِي التَّوْرَاةِ مِنْ نَعْتِهِ وَصِفَتِهِ، فَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَوَكُلَّمَا عَاهَدَ الْيَهُودُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ رَبَّهُمْ عَهْدًا وَأَوْثَقُوهُ مِيثَاقًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ فَتَرَكَهُ وَنَقَضَهُ؟
كَمَا حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ ثنا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ، مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَوْ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " قَالَ مَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ حِينَ بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَ لَهُمْ مَا أَخَذَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمِيثَاقِ وَمَا عَهِدَ اللَّهِ إِلَيْهِمْ فِيهِ: وَاللَّهِ مَا عَهِدَ إِلَيْنَا فِي مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا أَخَذَ لَهُ عَلَيْنَا مِيثَاقًا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ١٠٠] " حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ، مَوْلَى آلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَوْ عَنْ -[٣٠٩]- سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَمَّا النَّبْذُ فَإِنَّ أَصْلَهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الطَّرْحُ، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِلْمَلْقُوطِ: الْمَنْبُوذُ؛ لِأَنَّهُ مَطْرُوحٌ مَرْمِيٌّ بِهِ، وَمِنْهُ سُمِّيَ النَّبِيذُ نَبِيذًا، لِأَنَّهُ زَبِيبٌ أَوْ تَمْرٌ يُطْرَحُ فِي وِعَاءٍ ثُمَّ يُعَالَجُ بِالْمَاءِ. وَأَصْلُهُ مَفْعُولٌ صُرِفَ إِلَى فَعِيلٍ، أَعْنِي أَنَّ النَّبِيذَ أَصْلُهُ مَنْبُوذٌ ثُمَّ صُرِفَ إِلَى فَعِيلٍ، فَقِيلَ نَبِيذٌ كَمَا قِيلَ كَفٌّ خَضِيبٌ وَلِحْيَةٌ دَهِينٌ، يَعْنِي مَخْضُوبَةً وَمَدْهُونَةً؛ يُقَالُ مِنْهُ: نَبَذْتُهُ أَنْبُذُهُ نَبْذًا، كَمَا قَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ:
[البحر الطويل]

نَظَرْتَ إِلَى عُنْوَانِهِ فَنَبَذْتَهُ كَنَبْذِكَ نَعْلَا أَخْلَقَتْ مِنْ نِعَالِكَا
فَمَعْنَى قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٠] طَرَحَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ فَتَرَكَهُ وَرَفَضَهُ وَنَقَضَهُ


الصفحة التالية
Icon