خَرَابِهَا} [البقرة: ١١٤] إِلَّا أَحَدُ الْمَسْجِدَيْنِ، إِمَّا مَسْجِدُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَإِمَّا الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ. وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَكَانَ مَعْلُومًا أَنَّ مُشْرِكِيَ قُرَيْشٍ لَمْ يَسْعَوْا قَطُّ فِي تَخْرِيبِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ مَنَعُوا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ؛ صَحَّ وَثَبَتَ أَنَّ الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالسَّعْيِ فِي خَرَابِ مَسَاجِدِهِ غَيْرُ الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِعِمَارَتِهَا، إِذْ كَانَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ بَنَوُا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَبِعِمَارَتِهِ كَانَ افْتِخَارُهُمْ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ أَفْعَالِهِمْ فِيهِ كَانَ مِنْهُمْ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي يَرْضَاهُ اللَّهُ مِنْهُمْ. وَأُخْرَى أَنَّ الْآيَةَ الَّتِي قَبْلَ قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤] مَضَتْ بِالْخَبَرِ عَنِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَذَمِّ أَفْعَالِهِمْ، وَالَّتِي بَعْدَهَا نَبَّهَتْ بِذَمِّ النَّصَارَى وَالْخَبَرِ عَنِ افْتِرَائِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ، وَلَمْ يَجْرِ لِقُرَيْشٍ وَلَا لِمُشْرِكِي الْعَرَبِ ذِكْرٌ، وَلَا لِلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ قَبْلَهَا، فَيُوَجَّهُ الْخَبَرُ بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤] إِلَيْهِمْ وَإِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالْآيَةِ أَنْ يُوَجَّهَ تَأْوِيلُهَا إِلَيْهِ، هُوَ مَا كَانَ نَظِيرُ قِصَّةِ الْآيَةِ قَبْلَهَا وَالْآيَةِ بَعْدَهَا، إِذْ كَانَ خَبَرُهَا لِخَبَرِهِمَا نَظِيرًا وَشَكْلًا، إِلَّا أَنْ تَقُومَ حُجَّةٌ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا بِخِلَافِ ذَلِكَ وَإِنِ اتَّفَقَتْ قِصَصُهَا فَاشْتَبَهَتْ. فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ لَيْسَ كَذَلِكَ، إِذْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ لَمْ يَلْزَمْهُمْ قَطُّ فَرْضُ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْمُقَدَّسِ، فَمَنَعُوا مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ،