حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١] قَالَ: أَحَلُّوا حَلَالَهُ، وَحَرَّمُوا حَرَامَهُ، وَعَمِلُوا بِمَا فِيهِ "
ذُكِرَ لَنَا أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ: «إِنَّ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أَنْ يُحِلَّ حَلَالَهُ، وَيُحَرِّمَ حَرَامَهُ، وَأَنْ يَقْرَأَهُ كَمَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا يُحَرِّفَهُ عَنْ مَوَاضِعِهِ»
حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ: ثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: ثَنَا الْحَكَمُ بْنُ عَطِيَّةَ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ يَقُولُ: " ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١] قَالَ: يَتَّبِعُونَهُ حَقَّ اتِّبَاعِهِ قَالَ: اتِّبَاعُهُ يُحِلُّونَ حَلَالَهُ، وَيُحَرِّمُونَ حَرَامَهُ، وَيَقْرَءُونَهُ كَمَا أُنْزِلَ "
حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١] قَالَ: يَتَّبِعُونَهُ حَقَّ اتِّبَاعِهِ، أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ [الشمس: ٢] ؟ قَالَ: إِذَا تَبِعَهَا " وَقَالَ آخَرُونَ ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١] يَقْرَءُونَهُ حَقَّ قِرَاءَتِهِ. وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ أَنَّهُ بِمَعْنَى: يَتَّبِعُونَهُ حَقَّ اتِّبَاعِهِ، مِنْ قَوْلِ -[٤٩٣]- الْقَائِلِ: مَا زِلْتُ أَتْلُو أَثَرَهُ، إِذَا اتُّبِعَ أَثَرُهُ؛ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ تَأْوِيلُهُ. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ تَأْوِيلَهُ، فَمَعْنَى الْكَلَامِ: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ أَهْلِ التَّوْرَاةِ الَّذِينَ آمَنُوا بِكَ وَبِمَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنَ الْحَقِّ مِنْ عِنْدِي، يَتَّبِعُونَ كِتَابِي الَّذِي أَنْزَلْتُهُ عَلَى رَسُولِي مُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيُقِرُّونَ بِمَا فِيهِ مِنْ نَعْتِكَ وَصِفَتِكَ، وَأَنَّكَ رَسُولِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ طَاعَتِي فِي الْإِيمَانِ بِكَ وَالتَّصْدِيقِ بِمَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِي، وَيَعْمَلُونَ بِمَا أَحْلَلْتَ لَهُمْ، وَيَجْتَنِبُونَ مَا حَرَّمْتَ عَلَيْهِمْ فِيهِ، وَلَا يُحَرِّفُونَهُ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَلَا يُبَدِّلُونَهُ وَلَا يُغَيِّرُونَهُ كَمَا أَنْزَلْتُهُ عَلَيْهِمْ بِتَأْوِيلٍ وَلَا غَيْرِهِ. أَمَّا قَوْلُهُ: ﴿حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١] فَمُبَالَغَةٌ فِي صِفَةِ اتِّبَاعِهِمُ الْكِتَابَ وَلُزُومِهِمُ الْعَمَلَ بِهِ، كَمَا يُقَالُ: إِنَّ فُلَانًا لَعَالِمٌ حَقَّ عَالِمٍ، وَكَمَا يُقَالُ: إِنَّ فُلَانًا لَفَاضِلٌ كُلَّ فَاضِلٍ. وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي إِضَافَةِ «حَقَّ» إِلَى الْمَعْرِفَةِ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: غَيْرُ جَائِزَةٍ إِضَافَتُهُ إِلَى مَعْرِفَةٍ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى «أَيْ»، وَبِمَعْنَى قَوْلِكَ: أَفْضَلُ رَجُلٍ فُلَانٌ، وَأَفْعَلُ لَا يُضَافُ إِلَى وَاحِدٍ مَعْرِفَةٍ لِأَنَّهُ مُبَعَّضٌ، وَلَا يَكُونُ الْوَاحِدُ الْمُبَعَّضُ مَعْرِفَةً. فَأَحَالُوا أَنْ يُقَالَ: مَرَرْتُ بِالرَّجُلِ حَقَّ الرَّجُلِ، وَمَرَرْتُ بِالرَّجُلِ جَدَّ الرَّجُلِ، كَمَا أَحَالُوا مَرَرْتُ بِالرَّجُلِ أَيِ الرَّجُلِ، وَأَجَازُوا ذَلِكَ فِي كُلِّ الرَّجُلِ وَعَيْنِ الرَّجُلِ وَنَفْسِ الرَّجُلِ، وَقَالُوا: إِنَّمَا أَجَزْنَا ذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ -[٤٩٤]- الْحُرُوفَ كَانَتْ فِي الْأَصْلِ تَوْكِيدًا، فَلَمَّا صِرْنَ مُدُوحًا تُرِكْنَ مُدُوحًا عَلَى أُصُولِهِنَّ فِي الْمَعْرِفَةِ. وَزَعَمُوا أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١] إِنَّمَا جَازَتْ إِضَافَتُهُ إِلَى التِّلَاوَةِ، وَهِيَ مُضَافَةٌ إِلَى مَعْرِفَةٍ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَعْتَدُّ بِالْهَاءِ إِذَا عَادَتْ إِلَى نَكِرَةٍ بِالنَّكِرَةِ، فَيَقُولُونَ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ وَاحِدٍ أُمِّهِ، وَنَسِيجٌ وَحْدَهُ، وَسَيِّدُ قَوْمِهِ. قَالُوا: فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١] إِنَّمَا جَازَتْ إِضَافَةُ «حَقَّ» إِلَى التِّلَاوَةِ وَهِيَ مُضَافَةٌ إِلَى «الْهَاءِ»، لِاعْتِدَادِ الْعَرَبِ بِ «الْهَاءِ» الَّتِي فِي نَظَائِرِهَا فِي عِدَادِ النَّكِرَاتِ. قَالُوا: وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ حَقَّ التِّلَاوَةَ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ جَائِزًا: مَرَرْتُ بِالرَّجُلِ حَقَّ الرَّجُلِ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَةٍ. وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: جَائِزَةٌ إِضَافَةُ حَقَّ إِلَى النَّكِرَاتِ مَعَ النَّكِرَاتِ، وَمَعَ الْمَعَارِفِ إِلَى الْمَعَارِفِ؛ وَإِنَّمَا ذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِ الْقَائِلِ: مَرَرْتُ بِالرَّجُلِ غُلَامِ الرَّجُلِ، وَبِرَجُلٍ غُلَامِ رَجُلٍ. فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ عَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ. وَأَوْلَى ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدَنَا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١] أَيْ تِلَاوَةٍ، بِمَعْنَى مَدْحِ التِّلَاوَةِ الَّتِي تَلَوْهَا وَتَفْضِيلِهَا. وَأَيْ غَيْرُ جَائِزَةٍ إِضَافَتُهَا إِلَى وَاحِدٍ مَعْرِفَةٍ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ، وَكَذَلِكَ «حَقُّ» غَيْرُ جَائِزَةٍ إِضَافَتُهَا إِلَى وَاحِدٍ مَعْرِفَةٍ، وَإِنَّمَا أُضِيفَ فِي حَقِّ تِلَاوَتِهِ إِلَى مَا فِيهِ الْهَاءُ لِمَا وَصَفْتُ مِنَ الْعِلَّةِ الَّتِي -[٤٩٥]- تَقَدَّمَ بَيَانُهَا