حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ [البقرة: ٦٦] مَا مَضَى مِنْ خَطَايَاهُمْ إِلَى أَنْ هَلَكُوا بِهِ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة: ٦٦] يَقُولُ: بَيْنَ يَدَيْهَا مَا مَضَى مِنْ خَطَايَاهُمْ ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة: ٦٦] خَطَايَاهُمُ الَّتِي هَلَكُوا بِهَا " حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ؛ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة: ٦٦] خَطِيئَتُهُمُ الَّتِي هَلَكُوا بِهَا
وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا حَدَّثَنِي بِهِ، مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة: ٦٦] قَالَ: أَمَّا مَا بَيْنَ يَدَيْهَا: فَمَا سَلَفَ مِنْ عَمَلِهِمْ ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة: ٦٦] فَمَنْ كَانَ بَعْدَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ أَنْ يَعْصُوا فَيَصْنَعَ اللَّهُ بِهِمْ مِثْلَ ذَلِكَ "
وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا حَدَّثَنِي بِهِ ابْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " قَوْلُهُ ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة: ٦٦] يَعْنِي الْحِيتَانَ جَعَلَهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة: ٦٦] مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي -[٧٢]- عَمِلُوا قَبْلَ الْحِيتَانِ، وَمَا عَمِلُوا بَعْدَ الْحِيتَانِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة: ٦٦] " وَأَوْلَى هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ مَا رَوَاهُ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ وَذَلِكَ لِمَا وَصَفْنَا مِنْ أَنَّ الْهَاءَ وَالْأَلِفَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا﴾ [البقرة: ٦٦] بِأَنْ تَكُونَ مِنْ ذِكْرِ الْعُقُوبَةِ وَالْمَسْخَةِ الَّتِي مُسِخَهَا الْقَوْمُ أَوْلَى مِنْهَا بِأَنْ تَكُونَ مِنْ ذِكْرِ غَيْرِهَا، مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّمَا يُحَذِّرُ خَلْقَهُ بَأْسَهُ وَسَطْوَتَهُ. وَبِذَلِكَ يُخَوِّفُهُمْ. وَفِي إِبَانَتِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿نَكَالًا﴾ [البقرة: ٦٦] أَنَّهُ عَنَى بِهِ الْعُقُوبَةَ الَّتِي أَحَلَّهَا بِالْقَوْمِ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ عَنَى بِقَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة: ٦٦] فَجَعَلْنَا عُقُوبَتَنَا الَّتِي أَحْلَلْنَاهَا بِهِمْ عُقُوبَةً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا، دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْمَعَانِي. وَإِذَا كَانَتِ الْهَاءُ وَالْأَلِفُ بِأَنْ تَكُونَ مِنْ ذِكْرِ الْمَسْخَةِ وَالْعُقُوبَةِ أَوْلَى مِنْهَا بِأَنْ تَكُونَ مِنْ ذِكْرِ غَيْرِهَا، فَكَذَلِكَ الْعَائِدُ فِي قَوْلِهِ: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة: ٦٦] مِنَ الْهَاءِ وَالْأَلِفِ أَنْ يَكُونَ مِنْ ذِكْرِ الْهَاءِ وَالْأَلِفِ اللَّتَيْنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ [البقرة: ٦٦] أَوْلَى مِنْ أَنْ يَكُونِ مِنْ غَيْرِهِ. فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا: فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ، فَجَعَلْنَا عُقُوبَتَنَا لَهُمْ عُقُوبَةً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا مِنْ ذُنُوبِهِمُ السَّالِفَةِ مِنْهُمْ مَسْخَنَا إِيَّاهُمْ وَعُقُوبَتَنَا لَهُمْ، وَلِمَا خَلَفَ عُقُوبَتَنَا لَهُمْ مِنْ أَمْثَالِ ذُنُوبِهِمْ، أَنْ يَعْمَلَ بِهَا عَامِلٌ، فَيُمْسَخُوا مِثْلَ مَا مُسِخُوا، وَأَنْ يَحِلَّ بِهِمْ مِثْلُ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ؛ تَحْذِيرًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عِبَادَهُ أَنْ يَأْتُوا مِنْ مَعَاصِيهِ مِثْلَ الَّذِي أَتَى الْمَمْسُوخُونَ فَيُعَاقَبُوا عُقَوبَتَهُمْ. وَأَمَّا الَّذِي قَالَ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ: ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ [البقرة: ٦٦] يَعْنِي الْحِيتَانَ عُقُوبَةً لِمَا بَيْنَ -[٧٣]- يَدَيِ الْحِيتَانِ مِنْ ذُنُوبِ الْقَوْمِ وَمَا بَعْدَهَا مِنْ ذُنُوبِهِمْ، فَإِنَّهُ أَبْعَدُ فِي الِانْتِزَاعِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْحِيتَانَ لَمْ يَجْرِ لَهَا ذِكْرٌ فَيُقَالُ: ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ [البقرة: ٦٦] فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَرَى لِلْحِيتَانِ ذِكْرٌ، لِأَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تُكَنِّي عَنِ الِاسْمِ وَلَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، فَإِنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُتْرَكَ الْمَفْهُومُ مِنْ ظَاهِرِ الْكِتَابِ وَالْمَعْقُولُ بِهِ ظَاهِرٌ فِي الْخِطَابِ وَالتَّنْزِيلِ إِلَى بَاطِنٍ لَا دَلَالَةَ عَلَيْهِ مِنْ ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ وَلَا خَبَرَ عَنِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْقُولٌ وَلَا فِيهِ مِنَ الْحُجَّةِ إِجْمَاعٌ مُسْتَفِيضٌ. وَأَمَّا تَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ: لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا مِنَ الْقُرَى وَمَا خَلْفَهَا، فَيَنْظُرُ إِلَى تَأْوِيلِ مَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ بِمَا بَيْنَ يَدَيِ الْحِيتَانِ وَمَا خَلْفَهَا