قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ قَيْسٍ الْجُذَامِيِّ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً، فَهِيَ فِدَاؤُهُ مِنَ النَّارِ»
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢] ثُمَّ أَخْبَرَ عَنِ اقْتِحَامِهَا فَقَالَ: فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ أَطْعَمَ وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَهُ بَعْضُ قُرَّاءِ مَكَّةَ وَعَامَّةُ قُرَّاءِ الْبَصْرَةِ، عَنِ ابْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَمِنَ الْكُوفِيِّينَ: الْكِسَائِيُّ: (فَكَّ رَقَبَةً أَوْ أَطْعَمَ)، وَكَانَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ يَحْتَجُّ فِيمَا بَلَغَنِي فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] كَأَنَّ مَعْنَاهُ: كَانَ عِنْدَهُ، فَلَا فَكَّ رَقَبَةً، وَلَا أَطْعَمَ، ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧]. وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ وَالشَّامِ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] عَلَى الْإِضَافَةِ ﴿أَوْ إِطْعَامٌ﴾ [البلد: ١٤] عَلَى وَجْهِ الْمَصْدَرِ، وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ: أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ، قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ -[٤٢٤]- مِنْهُمَا عُلَمَاءُ مِنَ الْقُرَّاءِ، وَتَأْوِيلٌ مَفْهُومٌ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ. فَقِرَاءَتُهُ إِذَا قُرِئَ عَلَى وَجْهِ الْفِعْلِ تَأْوِيلُهُ: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١]، لَا فَكَّ رَقَبَةً، وَلَا أَطْعَمَ، ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢] عَلَى التَّعَجُّبِ وَالتَّعْظِيمِ. وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ أَحْسَنُ مَخْرَجًا فِي الْعَرَبِيَّةِ، لِأَنَّ الْإِطْعَامَ اسْمٌ، وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] فِعْلٌ، وَالْعَرَبُ تُؤْثِرُ رَدَّ الْأَسْمَاءِ عَلَى الْأَسْمَاءِ مِثْلِهَا، وَالْأَفْعَالَ عَلَى الْأَفْعَالِ، وَلَوْ كَانَ مَجِيءُ التَّنْزِيلِ ثُمَّ إِنْ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا، كَانَ أَحْسَنَ، وَأُشْبِهَ بِالْإِطْعَامِ وَالْفَكِّ مِنْ ثَمَّ كَانَ، وَلِذَلِكَ قُلْتُ: (فَكَّ رَقَبَةً أَوْ أَطْعَمَ) أَوْجَهُ فِي الْعَرَبِيَّةِ مِنَ الْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ لِلْآخَرِ وَجْهٌ مَعْرُوفٌ، وَوَجْهُهُ أَنْ تُضْمَرَ أَنْ ثُمَّ تُلْقَى، كَمَا قَالَ طَرَفَةُ بْنُ الْعَبْدِ:
[البحر الطويل]

أَلَا أَيُّهَاذَا الزَّاجِرِي أَحْضُرَ الْوَغَى وَأَنْ أَشْهَدَ اللَّذَاتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلِدِي
بِمَعْنَى: أَلَا أَيُّهَاذَا الزَّاجِرِي أَنْ أَحْضُرَ الْوَغَى. وَفِي قَوْلِهِ: أَنْ أَشْهَدَ الدَّلَالَةُ الْبَيِّنَةُ عَلَى أَنَّهَا مَعْطُوفَةٌ عَلَى أَنْ أُخْرَى مِثْلِهَا، قَدْ تَقَدَّمَتْ قَبْلَهَا، فَذَلِكَ وَجْهُ جَوَازِهِ. وَإِذَا وُجِّهَ الْكَلَامُ إِلَى هَذَا الْوَجْهِ كَانَ قَوْلُهُ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ﴾ [البلد: ١٤] تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢] كَأَنَّهُ قِيلَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢] ؟ هِيَ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾ [القارعة: ١٠] ثُمَّ قَالَ: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة: ١١] مُفَسَّرًا لِقَوْلِهِ: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة: ٩] ثُمَّ قَالَ: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْهَاوِيَةُ؟ هِيَ نَارٌ حَامِيَةٌ


الصفحة التالية
Icon