كَافِرًا فَيَعْفُو؛ وَلِذَلِكَ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [البقرة: ٢١٠] وَإِنْ كَانَتْ أُمُورُ الدُّنْيَا كُلُّهَا، وَالْآخِرَةِ مِنْ عِنْدِهِ مَبْدَؤُهَا وَإِلَيْهِ مَصِيرُهَا، إِذْ كَانَ خَلْقُهُ فِي الدُّنْيَا يَتَظَالَمُونَ، وَيُلِي النَّظَرَ بَيْنَهُمْ أَحْيَانًا فِي الدُّنْيَا بَعْضَ خَلْقِهِ، فَيُحَكِّمُ بَيْنَهُمْ بَعْضَ عَبِيدِهِ، فَيَجُورُ بَعْضٌ، وَيَعْدِلُ بَعْضٌ، وَيُصِيبُ وَاحِدٌ، وَيُخْطِئُ وَاحِدٌ، وَيُمَكَّنُ مِنْ تَنْفِيذِ الْحُكْمِ عَلَى بَعْضٍ، وَيَتَعَذَّرُ ذَلِكَ عَلَى بَعْضٍ لِمَنْعَةِ جَانِبِهِ وَغَلَبَتِهِ بِالْقُوَّةِ. فَأَعْلَمَ عِبَادَهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّ مَرْجِعَ جَمِيعِ ذَلِكَ إِلَيْهِ فِي مَوْقِفِ الْقِيَامَةِ، فَيُنْصِفُ كُلًّا مِنْ كُلٍّ، وَيُجَازِي حَقَّ الْجَزَاءِ كُلًّا، حَيْثُ لَا ظُلْمَ وَلَا مُمْتَنِعٍ مِنْ نُفُوذِ حُكْمِهِ عَلَيْهِ، وَحَيْثُ يَسْتَوِي الضَّعِيفُ وَالْقَوِيُّ، وَالْفَقِيرُ، وَالْغَنِيُّ، وَيَضْمَحِلُّ الظُّلْمُ، وَيَنْزِلُ سُلْطَانُ الْعَدْلِ. وَإِنَّمَا أَدْخَلَ جَلَّ وَعَزَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي الْأُمُورِ لِأَنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنَى بِهَا جَمِيعَ الْأُمُورِ، وَلَمْ يَعْنِ بِهَا بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ، فَكَانَ ذَلِكَ بِمَعْنَى قَوْلِ الْقَائِلِ: يُعْجِبُنِي الْعَسَلُ، وَالْبَغْلُ أَقْوَى مِنَ الْحِمَارِ، فَيُدْخِلُ فِيهِ الْأَلِفَ وَاللَّامَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ قَصْدَ بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، إِنَّمَا يُرَادُ بِهِ الْعُمُومُ وَالْجَمْعُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهََ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة: ٢١١] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: سَلْ يَا مُحَمَّدُ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ لَا يَنْتَظِرُونَ بِالْإِنَابَةِ إِلَى طَاعَتِي، وَالتَّوْبَةِ إِلَيَّ بِالْإِقْرَارِ بِنُبُوَّتِكَ وَتَصْدِيقِكَ فِيمَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِي، إِلَّا أَنْ آتِيَهُمْ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَمَلَائِكَتِي، فَأَفْصِلُ الْقَضَاءِ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَنْ آمَنَ بِكَ وَصَدَّقَكَ بِمَا أَنْزَلْتُ إِلَيْكَ مِنْ كُتُبِي، وَفَرَضْتُ عَلَيْكَ وَعَلَيْهِمْ مِنْ شَرَائِعِ دِينِي


الصفحة التالية
Icon