وَإِنَّ «مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ» مُسْتَثْنًى بِاسْتِثْنَاءٍ آخَرَ. وَأَنَّ تَأْوِيلَ الْكَلَامِ: وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ، مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ إِلَّا بَغْيًا مَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ. فَكَأَنَّهُ كَرَّرَ الْكَلَامَ تَوْكِيدًا. وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي أَشْبَهُ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ، لِأَنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَخْتَلِفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ وَمَجِيءِ الْبَيِّنَاتِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَكَذَلِكَ لَمْ يَخْتَلِفُوا إِلَّا بَغْيًا، فَذَلِكَ أَشْبَهُ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَهَدَى اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢١٣] فَوَفَّقَ الَّذِي آمَنُوا وَهُمْ أَهْلُ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُصَدِّقِينَ بِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ فِيهِ. وَكَانَ اخْتِلَافُهُمُ الَّذِي خَذَلَهُمُ اللَّهُ فِيهِ، وَهَدَى لَهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَفَّقْتُهُمْ لِإِصَابَتِهِ: الْجُمُعَةَ، ضَلُّوا عَنْهَا وَقَدْ فُرِضَتْ عَلَيْهِمْ كَالَّذِي فُرِضَ عَلَيْنَا، فَجَعَلُوهَا السَّبْتَ؛
فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ، بِيَدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، وَهَذَا الْيَوْمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ، فَلِلْيَهُودِ غَدًا وَلِلنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ» حَدَّثَنَا بِذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ -[٦٣١]- دِينَارٍ اللَّيْثِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ