حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ " كُنَّا نُحَدِّثُ أَنَّ الْبَأْسَاءَ: الْبُؤْسُ وَالْفَقْرُ، وَأَنَّ الضَّرَّاءَ: السُّقْمُ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ أَيُّوبُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣] "
حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [البقرة: ١٧٧] قَالَ " الْبُؤْسُ: الْفَاقَةُ، وَالْفَقْرُ، وَالضَّرَّاءُ فِي النَّفْسِ مِنْ وَجَعٍ أَوْ مَرَضٍ يُصِيبُهُ فِي جَسَدِهِ "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [البقرة: ١٧٧] قَالَ " الْبَأْسَاءُ: الْبُؤْسُ، وَالضَّرَّاءُ: الزَّمَانَةُ فِي الْجَسَدِ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: ثنا عُبَيْدٌ، عَنِ الضَّحَّاكِ، قَالَ " الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ: الْمَرَضُ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [البقرة: ١٧٧] قَالَ " الْبَأْسَاءُ: الْبُؤْسُ وَالْفَقْرُ، وَالضَّرَّاءُ: السَّقَمُ، وَالْوَجَعُ "
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: ثنا عُبَيْدُ بْنُ الطُّفَيْلِ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ بْنَ مُزَاحِمٍ، يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ -[٨٨]- وَالضَّرَّاءِ﴾ [البقرة: ١٧٧] " أَمَا الْبَأْسَاءُ: الْفَقْرُ، وَالضَّرَّاءُ: الْمَرَضُ " وَأَمَّا أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ: فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْبَأْسَاءُ، وَالضَّرَّاءُ مَصْدَرٌ جَاءَ عَلَى فَعْلَاءَ لَيْسَ لَهُ أَفْعَلُ لِأَنَّهُ اسْمٌ، كَمَا قَدْ جَاءَ أَفْعَلُ فِي الْأَسْمَاءِ لَيْسَ لَهُ فَعْلَاءُ نَحْوَ أَحْمَدَ، وَقَدْ قَالُوا فِي الصِّفَةِ أَفْعَلُ وَلَمْ يَجِئْ لَهُ فَعْلَاءُ، فَقَالُوا: أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ أَوْجَلُ، وَلَمْ يَقُولُوا وَجْلَاءَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ اسْمٌ لِلْفِعْلِ، فَإِنَّ الْبَأْسَاءَ الْبُؤْسُ، وَالضَّرَّاءَ الضُّرُّ، وَهُوَ اسْمٌ يَقَعُ إِنْ شِئْتَ لِمُؤَنَّثٍ وَإِنْ شِئْتَ لِمُذَكَّرٍ كَمَا قَالَ زُهَيْرٌ:
[البحر الطويل]
فَتُنْتِجْ لَكُمْ غِلْمَانَ أَشْأَمَ كُلُّهُمْ | كَأَحْمَرِ عَادٍ ثُمَّ تُرْضِعْ فَتَفْطِمِ |
يَعْنِي فَتَنْتِجْ لَكُمْ غِلْمَانَ شُؤْمٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ كَانَ ذَلِكَ اسْمًا يَجُوزُ صَرْفُهُ إِلَى مُذَّكِرٍ وَمُؤَنَّثٍ لَجَازَ إِجْرَاءُ أَفْعَلَ فِي النَّكِرَةِ، وَلَكِنَّهُ اسْمٌ قَامَ مَقَامَ الْمَصْدَرِ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُمْ:
«لَئِنْ طَلَبْتُ نُصْرَتَهُمْ لَتَجِدَنَّهُمْ غَيْرَ أَبْعَدَ» بِغَيْرِ إِجْرَاءٍ؛ وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ اسْمًا لِلْمَصْدَرِ لِأَنَّهُ إِذَا ذُكِرَ عُلِمَ أَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الْمَصْدَرُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: لَوْ كَانَ ذَلِكَ مَصْدَرًا فَوَقَعَ بِتَأْنِيثٍ لَمْ يَقَعْ بِتَذْكِيرٍ، وَلَوْ وَقَعَ بِتَذْكِيرٍ لَمْ يَقَعْ بِتَأْنِيثٍ؛ لِأَنَّ مَنْ سُمِّيَ بِأَفْعَلَ لَمْ يُصْرَفْ إِلَى فُعْلَى، وَمَنْ سُمِّيَ بِفُعْلَى لَمْ يُصْرَفْ إِلَى أَفْعَلَ، لِأَنَّ كُلَّ اسْمٍ يَبْقَى بِهِيئَتِهِ لَا يُصْرَفُ إِلَى غَيْرِهِ، وَلَكِنَّهُمَا لُغَتَانِ، فَإِذَا وَقَعَ بِالتَّذْكِيرِ كَانَ بِأَمْرٍ أَشْأَمَ، وَإِذَا وَقَعَ الْبَأْسَاءُ، -[٨٩]- وَالضَّرَّاءُ، وَقَعَ الْخُلَّةُ الْبَأْسَاءِ، وَالْخُلَّةُ الضَّرَّاءِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُبْنَ عَلَى الضَّرَّاءِ الْأَضَرُّ وَلَا عَلَى الْأَشْأَمِ الشَّأْمَاءُ، لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ مِنْ تَأْنِيثِهِ التَّذْكِيرُ وَلَا مِنْ تَذْكِيرِهِ التَّأْنِيثُ، كَمَا قَالُوا: امْرَأَةٌ حَسْنَاءُ، وَلَمْ يَقُولُوا: رَجُلٌ أَحْسَنُ، وَقَالُوا: رَجُلٌ أَمْرَدُ، وَلَمْ يَقُولُوا: امْرَأَةٌ مَرْدَاءُ فَإِذَا قِيلَ الْخَصْلَةُ الضَّرَّاءُ وَالْأَمْرُ الْأَشْأَمُ دَلَّ عَلَى الْمَصْدَرِ، وَلَمْ يُحْتَجْ إِلَى أَنْ يَكُونَ اسْمًا، وَإِنْ كَانَ قَدْ كُفِيَ مِنَ الْمَصْدَرِ. وَهَذَا قَوْلٌ مُخَالِفٌ تَأْوِيلَ مَنْ ذَكَرْنَا تَأْوِيلَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَأْوِيلِ الْبَأْسَاءِ، وَالضَّرَّاءِ، وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا عَلَى مَذْهَبِ الْعَرَبِيَّةِ وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ تَأَوَّلُوا الْبَأْسَاءَ بِمَعْنَى الْبُؤْسِ، وَالضَّرَّاءَ بِمَعْنَى الضُّرِّ فِي الْجَسَدِ، وَذَلِكَ مِنْ تَأْوِيلِهِمْ مَبْنِيُّ عَلَى أَنَّهُمْ وَجَّهُوا الْبَأْسَاءَ وَالضَّرَّاءَ إِلَى أَسْمَاءِ الْأَفْعَالِ دُونَ صِفَاتِ الْأَسْمَاءِ وَنُعُوتِهَا. فَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ عَلَى قَوْلِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ أَنْ تَكُونَ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ أَسْمَاءَ أَفْعَالٍ، فَتَكُونُ الْبَأْسَاءُ اسْمًا لِلْبُؤْسِ، وَالضَّرَّاءُ اسْمًا لِلضُّرِّ. وَأَمَّا الصَّابِرِينَ فَنُصِبَ، وَهُوَ مِنْ نَعْتِ
«مَنْ» عَلَى وَجْهِ الْمَدْحِ، لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ إِذَا تَطَاوَلَتْ صِفَةُ الْوَاحِدِ الِاعْتِرَاضُ بِالْمَدْحِ، وَالذَّمِّ بِالنَّصْبِ أَحْيَانًا وَبِالرَّفْعِ أَحْيَانًا، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر المتقارب]
إِلَى الْمَلِكِ الْقَرْمِ وَابْنِ الْهُمَامِ | وَلَيْثَ الْكَتِيبَةِ فِي الْمُزْدَحَمْ |
وَذَا الرَّأْيِ حِينَ تُغَمُّ الْأُمُورُ | بِذَاتِ الصَّلِيلِ، وَذَاتِ اللُّجُمْ |
فَنَصَبَ لَيْثَ الْكَتِيبَةِ وَذَا الرَّأْيِ عَلَى الْمَدْحِ، وَالِاسْمُ قَبْلَهُمَا -[٩٠]- مَخْفُوضٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ صِفَةِ وَاحِدٍ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْآخَرِ:
[البحر الطويل]
فَلَيْتَ الَّتِي فِيهَا النُّجُومُ تَوَاضَعَتْ | عَلَى كُلِّ غَثٍّ مِنْهُمُ وَسَمِينِ |
غُيُوثُ الْوَرَى فِي كُلِّ | مَحْلٍ وَأَزْمَةٍ أُسُودُ الشَّرَى يَحْمِينَ كُلَّ عَرِينِ |
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ قَوْلَهُ:
﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ﴾ [البقرة: ١٧٧] نُصِبَ عَطْفًا عَلَى السَّائِلِينَ، كَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ كَانَ عِنْدَهُ: وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى، وَالْيَتَامَى، وَالْمَسَاكِينِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَالسَّائِلِينَ، وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ، وَالضَّرَّاءِ، وَظَاهَرُ كِتَابِ اللَّهِ يَدُلُّ عَلَى خَطَأِ هَذَا الْقَوْلِ، وَذَلِكَ أَنَّ الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ، وَالضَّرَّاءِ هُمْ أَهْلُ الزَّمَانَةِ فِي الْأَبْدَانِ، وَأَهْلُ الْإِقْتَارِ فِي الْأَمْوَالِ، وَقَدْ مَضَى وَصْفُ الْقَوْمِ بِإِيتَاءِ مَنْ كَانَ ذَلِكَ صِفَتَهُ الْمَالُ فِي قَوْلِهِ:
﴿وَالْمَسَاكِينَ، وَابْنَ السَّبِيلِ، وَالسَّائِلِينَ﴾ [البقرة: ١٧٧] وَأَهْلَ الْفَاقَةِ وَالْفَقْرِ هُمْ أَهْلُ الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الضَّرَّاءِ ذَا بَأْسَاءَ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ لَهُ قَبُولُ الصَّدَقَةِ وَإِنَّمَا لَهُ قَبُولُهَا إِذَا كَانَ جَامِعًا إِلَى ضَرَّائِهِ بَأْسَاءَ، وَإِذَا جَمَعَ إِلَيْهَا بَأْسَاءَ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَسْكَنَةِ الَّذِينَ قَدْ دَخَلُوا فِي جُمْلَةِ الْمَسَاكِينِ الَّذِينَ قَدْ مَضَى ذِكْرُهُمْ قَبْلَ قَوْلِهِ:
﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ﴾ [البقرة: ١٧٧] وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ثُمَّ نَصَبَ الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ بِقَوْلِهِ:
﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] كَانَ الْكَلَامُ تَكْرِيرًا بِغَيْرِ فَائِدَةِ مَعْنًى، كَأَنَّهُ قِيلَ: وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى، وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ، وَاللَّهُ يَتَعَالَى عَنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي -[٩١]- خِطَابِهِ عِبَادَهُ؛ وَلَكِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ: وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا، وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْمُوفُونَ رَفْعٌ لِأَنَّهُ مِنْ صِفَةِ
«مَنْ»، وَ
«مَنْ» رَفْعٌ فَهُوَ مُعْرَبٌ بِإِعْرَابِهِ وَالصَّابِرِينَ نُصِبَ وَإِنْ كَانَ مِنْ صِفَتِهِ عَلَى وَجْهِ الْمَدْحِ الَّذِي وَصَفْنَا قَبْلُ