قَالَ: ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢٤٨] وَلَمْ يَقُلْ: تَأْتِي بِهِ الْمَلَائِكَةُ وَمَا جَرَّتْهُ الْبَقَرُ عَلَى عَجَلٍ. وَإِنْ كَانَتِ الْمَلَائِكَةُ هِيَ سَائِقَتُهَا، فَهِيَ غَيْرُ حَامِلَتِهِ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ الْمَعْرُوفَ هُوَ مُبَاشَرَةُ الْحَامِلِ بِنَفْسِهِ حَمْلَ مَا حَمَلَ، فَأَمَّا مَا حَمَلَهُ عَلَى غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فِي اللُّغَةِ أَنْ يُقَالَ فِي حَمْلِهِ بِمَعْنَى مَعُونَتِهِ الْحَامِلَ، أَوْ بِأَنَّ حَمْلَهُ كَانَ عَنْ سَبَبِهِ، فَلَيْسَ سَبِيلُهُ سَبِيلَ مَا بَاشَرَ حَمْلَهُ بِنَفْسِهِ فِي تَعَارُفِ النَّاسِ إِيَّاهُ بَيْنَهُمْ؛ وَتَوْجِيهِ تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ إِلَى الْأَشْهَرِ مِنَ اللُّغَاتِ أَوْلَى مِنْ تَوْجِيهِهِ إِلَى أَنْ لَا يَكُونَ الْأَشْهُرُ مَا وُجِدَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٨] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ أَنَّ نَبِيَّهُ أشمويل قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: إِنَّ فِي مَجِيئِكُمُ التَّابُوتَ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ، حَامِلَتُهُ الْمَلَائِكَةُ ﴿لَآيَةً لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٨] يَعْنِي لَعَلَامَةً لَكُمْ وَدَلَالَةً أَيُّهَا النَّاسُ عَلَى صِدْقِي فِيمَا أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ اللَّهَ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا إِنْ كُنْتُمْ قَدْ كَذَّبْتُمُونِي فِيمَا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ مِنْ تَمْلِيكِ اللَّهِ إِيَّاهُ عَلَيْكُمْ وَاتَّهَمْتُمُونِي فِي خَبَرِي إِيَّاكُمْ بِذَلِكَ ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١] يَعْنِي بِذَلِكَ: إِنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ عِنْدَ مَجِيءِ الْآيَةِ الَّتِي سَأَلْتُمُونِيهَا عَلَى صِدْقِي فِيمَا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ مِنْ أَمْرِ طَالُوتَ وَمُلْكِهِ. وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّ الْقَوْمَ قَدْ كَانُوا كَفَرُوا بِاللَّهِ فِي تَكْذِيبِهِمْ نَبِيَّهُمْ، وَرَدَّهُمْ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة: ٢٤٧] بِقَوْلِهِمْ: {أَنَّى