قَالَ: عَلَى أَيِّ وَجْهٍ يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ خَرَابِهَا فَيُعَمِّرُهَا اسْتِنْكَارًا فِيمَا قَالَهُ بَعْضُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ، فَأَرَاهُ كَيْفِيَّةَ إِحْيَائِهِ ذَلِكَ بِمَا ضَرَبَهُ لَهُ فِي نَفْسِهِ، وَفِيمَا كَانَ مِنْ شَرَابِهِ وَطَعَامِهِ، ثُمَّ عَرَّفَهُ قُدْرَتَهُ عَلَى ذَلِكَ وَعَلَى غَيْرِهِ بِإِظْهَارِهِ إِحْيَاءَ مَا كَانَ عَجَبًا عِنْدَهُ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ إِحْيَاؤُهُ لَرَأْيِ عَيْنِهِ حَتَّى أَبْصَرَهُ بِبَصَرِهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَالَ: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩] وَكَانَ سَبَبُ قِيلِهِ ذَلِكَ
كَالَّذِي: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَمَّنْ لَا يُتَّهَمُ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ الْيَمَانِيِّ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: " قَالَ اللَّهُ لِإِرْمِيَا حِينَ بَعَثَهُ نَبِيًّا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ: يَا إِرْمِيَا مِنْ قَبْلِ أَنْ أَخْلُقَكَ اخْتَرْتُكَ، وَمِنْ قَبْلِ أَنْ أُصَوِّرَكَ فِي رَحِمِ أُمِّكَ قَدَّسْتُكَ، وَمِنْ قَبْلِ أَنْ أُخْرِجَكَ مِنْ بَطْنِهَا طَهَّرْتُكَ، وَمِنْ قَبْلِ أَنْ تَبْلُغَ السَّعْيَ نَبَّأْتُكَ، وَمِنْ قَبْلِ أَنْ تَبْلُغَ الْأَشُدَّ اخْتَرْتُكَ، وَلِأَمْرٍ عَظِيمٍ اجْتَبَيْتُكَ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِرْمِيَا إِلَى مَلِكِ بَنِي إِسْرَائِيلَ يُسَدِّدُهُ وَيُرْشِدُهُ، وَيَأْتِيهِ بِالْبِرِّ مِنَ اللَّهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَالَ: ثُمَّ عَظُمَتِ الْأَحْدَاثُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَرَكِبُوا الْمَعَاصِي، وَاسْتَحَلُّوا الْمَحَارِمَ، وَنَسَوْا مَا كَانَ اللَّهُ صَنَعَ بِهِمْ، وَمَا نَجَّاهُمْ مِنْ عَدُوِّهِمْ سَنْحَارِيبَ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى إِرْمِيَّا: أَنِ ائْتِ قَوْمَكَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَاقْصُصْ عَلَيْهِمْ مَا آمُرُكَ بِهِ، وَذَكِّرْهُمْ نِعْمَتِي عَلَيْهِمْ وَعَرِّفْهُمْ أَحْدَاثَهُمْ، -[٥٨٨]- ثُمَّ ذَكَرَ مَا أَرْسَلَ اللَّهُ بِهِ إِرْمِيَا إِلَى قَوْمِهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، قَالَ: ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى إِرْمِيَا أَنِّي مُهْلِكٌ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِيَافِثَ، وَيَافِثُ أَهْلُ بَابِلَ، وَهُمْ مِنْ وَلَدِ يَافِثَ بْنِ نُوحٍ فَلَمَّا سَمِعَ إِرْمِيَا وَحْيَ رَبِّهِ، صَاحَ وَبَكَى وَشَقَّ ثِيَابَهُ، وَنَبَذَ الرَّمَادَ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَالَ: مَلْعُونٌ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيَوْمَ لَقِيتُ التَّوْرَاةَ، وَمِنْ شَرِّ أَيَامَى يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، فَمَا أُبْقِيتُ آخِرَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا لِمَا هُوَ شَرٌّ عَلَيَّ، لَوْ أَرَادَ بِي خَيْرًا مَا جَعَلَنِي آخِرَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَمِنْ أَجْلِي تُصِيبُهُمُ الشِّقْوَةُ وَالْهَلَاكُ؛ فَلَمَّا سَمِعَ اللَّهَ تَضَرُّعَ الْخَضِرِ وَبُكَاءَهَ وَكَيْفَ يَقُولُ: نَادَاهُ: إِرْمِيَا أَشَقَّ عَلَيْكَ مَا أَوْحَيْتُ إِلَيْكَ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا رَبِّ أَهْلَكَنِي فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مَا لَا أُسِرُّ بِهِ، فَقَالَ اللَّهُ: وَعِزَّتِي الْعَزِيزَةِ لَا أُهْلِكُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى يَكُونَ الْأَمْرُ مِنْ قِبَلِكَ فِي ذَلِكَ، فَفَرِحَ عِنْدَ ذَلِكَ إِرْمِيَا لِمَا قَالَ لَهُ رَبُّهُ، وَطَابَتْ نَفْسُهُ، وَقَالَ: لَا وَالَّذِي بَعَثَ مُوسَى وَأَنْبِيَاءَهُ بِالْحَقِّ، لَا آمُرُ رَبِّي بِهَلَاكِ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَبَدًا، ثُمَّ أَتَى مَلِكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَخْبَرَهُ بِمَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ، فَفَرِحَ وَاسْتَبْشَرَ، وَقَالَ: إِنْ يُعَذِّبْنَا رَبُّنَا فَبِذُنُوبٍ كَثِيرَةٍ قَدَمْنَاهَا لِأَنْفُسِنَا وَإِنْ عَفَا عَنَّا فَبِقُدْرَتِهِ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَبِثُوا بَعْدَ هَذَا الْوَحْيِ ثَلَاثَ سِنِينَ لَمْ يَزْدَادُوا إِلَّا مَعْصِيَةً، وَتَمادَوْا فِي الشَّرِّ، وَذَلِكَ حِينَ اقْتَرَبَ هَلَاكُهُمْ، فَقَلَّ الْوَحْيُ حَتَّى لَمْ يَكُونُوا يَتَذَكَّرُونَ الْآخِرَةَ وَأُمْسِكَ عَنْهُمْ حِينَ أَلْهَتْهُمُ الدُّنْيَا وَشَأْنُهَا، فَقَالَ مَلِكُهُمْ: يَا بَنِي -[٥٨٩]- إِسْرَائِيلَ انْتَهُوا عَمَّا أَنْتُمْ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّكُمْ بَأْسٌ مِنَ اللَّهِ، وَقَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ عَلَيْكُمْ مُلُوكٌ لَا رَحْمَةَ لَهُمْ بِكُمْ، فَإِنَّ رَبَّكُمْ قَرِيبُ التَّوْبَةِ، مَبْسُوطُ الْيَدَيْنِ بِالْخَيْرِ، رَحِيمُ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ أَنْ يَنْزِعُوا عَنْ شَيْءٍ مِمَّا هُمْ عَلَيْهِ، وَإِنَّ اللَّهَ أَلْقَى فِي قَلْبِ بُخْتَنَصَّرَ بْنِ نَعُونَ بْنِ زَادَانَ أَنْ يَسِيرَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ يَفْعَلُ فِيهِ مَا كَانَ جَدُّهُ سَنْحَارِيبُ أَرَادَ أَنْ يَفْعَلَهُ، فَخَرَجَ فِي سِتِّ مِائَةِ أَلْفِ رَايَةٍ يُرِيدُ أَهْلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَلَمَّا فَصَلَ سَائِرًا أَتَى مَلِكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ الْخَبَرُ أَنَّ بِخْتُنَصَّرَ أَقْبَلَ هُوَ وَجُنُودُهُ يُرِيدُكُمْ، فَأَرْسَلَ الْمَلِكُ إِلَى إِرْمِيَا، فَجَاءَهُ فَقَالَ: يَا إِرْمِيَا أَيْنَ مَا زَعَمْتَ لَنَا أَنَّ رَبَّنَا أَوْحَى إِلَيْكَ أَنْ لَا يُهْلِكَ أَهْلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ حَتَّى يَكُونَ مِنْكَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ إِرْمِيَا لِلْمَلِكِ: إِنَّ رَبِّي لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ، وَأَنَا بِهِ وَاثِقٌ فَلَمَّا اقْتَرَبَ الْأَجَلُ، وَدَنَا انْقِطَاعُ مُلْكِهِمْ، وَعَزَمَ اللَّهُ عَلَى هَلَاكِهِمْ، بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا مِنْ عِنْدِهِ، فَقَالَ لَهُ: اذْهَبْ إِلَى إِرْمِيَا فَاسْتَفْتِهِ، وَأَمَرَهُ بِالَّذِي يَسْتَفْتِيهِ فِيهِ، فَأَقْبَلَ الْمَلِكُ إِلَى إِرْمِيَا، وَقَدْ تَمَثَّلَ لَهُ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالَ لَهُ إِرْمِيَا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَسْتَفْتِيكَ فِي بَعْضِ أَمْرِي، فَأَذِنَ لَهُ، فَقَالَ الْمَلَكُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَتَيْتُكَ أَسْتَفْتِيكَ فِي أَهْلِ رَحِمِي، وَصَلْتُ أَرْحَامَهُمْ بِمَا أَمَرَنِي اللَّهُ بِهِ، لَمْ آتِ إِلَيْهِمْ إِلَّا حَسَنًا، وَلَمْ آلُهُمْ كَرَامَةً، فَلَا تَزِيدُهُمْ كَرَامَتِي إِيَّاهُمْ إِلَّا إِسْخَاطًا لِي، فَأَفْتِنِي فِيهِمْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ: أَحْسِنْ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَصِلْ مَا أَمَرَكَ اللَّهُ بِهِ أَنْ تَصِلَ، وَأَبْشِرْ بِخَيْرٍ، -[٥٩٠]- فَانْصَرَفَ عَنْهُ الْمَلَكُ فَمَكَثَ أَيَّامًا ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَيْهِ فِي صُورَةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي جَاءَهُ، فَقَعَدَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ إِرْمِيَا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتُكَ فِي شَأْنِ أَهْلِي، فَقَالَ لَهُ نَبِيُّ اللَّهِ، أَوَ مَا طَهُرَتْ لَكَ أَخْلَاقُهُمْ بَعْدُ وَلَمْ تَرَ مِنْهُمُ الَّذِي تُحِبُّ؟ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَعْلَمُ كَرَامَةً يَأْتِيهَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ إِلَى أَهْلِ رَحِمِهِ إِلَّا وَقَدْ أَتَيْتُهَا إِلَيْهِمْ وَأَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ارْجِعْ إِلَى أَهْلِكَ فَأَحْسِنْ إِلَيْهِمْ، اسْأَلِ اللَّهَ الَّذِي يَصْلُحُ عِبَادَهُ الصَّالِحِينَ أَنْ يُصْلِحَ ذَاتَ بَيْنَكُمْ، وَأَنْ يَجْمَعَكُمْ عَلَى مَرْضَاتِهِ، وَيُجَنِّبَكُمْ سَخَطَهُ، فَقَالَ الْمَلَكُ مِنْ عِنْدِهِ، فَلَبِثَ أَيَّامًا، وَقَدْ نَزَلَ بُخْتَنَصَّرُ بِجُنُودِهِ حَوْلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَكْثَرَ مِنَ الْجَرَادِ، فَفَزِعَ بَنُو إِسْرَائِيلَ فَزَعًا شَدِيدًا، وَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى مَلِكِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَدَعَا إِرْمِيَا، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَيْنَ مَا وَعَدَكَ اللَّهُ؟ إِنِّي بِرَبِّي وَاثِقٌ، ثُمَّ إِنَّ الْمَلَكَ أَقْبَلَ إِلَى إِرْمِيَا وَهُوَ قَاعِدٌ عَلَى جِدَارِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ يَضْحَكُ وَيَسْتَبْشِرُ بِنَصْرِ رَبِّهِ الَّذِي وَعْدَهُ، فَقَعَدَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ إِرْمِيَا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا الَّذِي كُنْتُ اسْتَفْتَيْتُكَ فِي شَأْنِ أَهْلِي مَرَّتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوَ لَمْ يَأْنِ لَهُمْ أَنْ يُفِيقُوا مِنَ الَّذِي هُمْ فِيهِ؟ فَقَالَ الْمَلَكَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ كُلُّ شَيْءٍ كَانَ يُصِيبُنِي مِنْهُمْ قَبْلَ الْيَوْمِ كُنْتُ أَصْبِرُ عَلَيْهِ، وَأَعْلَمُ أَنَّمَا قَصْدُهُمْ فِي ذَلِكَ سَخَطِي، فَلَمَّا أَتَيْتُهُمُ الْيَوْمَ رَأَيْتُهُمْ فِي عَمَلٍ لَا يُرْضِي اللَّهَ، وَلَا يُحِبُّهُ اللَّهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَلَى أَيِّ عَمَلٍ رَأَيْتَهُمْ؟ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ رَأَيْتُهُمْ عَلَى عَمَلٍ عَظِيمٍ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، وَلَوْ كَانُوا عَلَى مِثْلِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ -[٥٩١]- الْيَوْمِ لَمْ يَشْتَدَّ عَلَيْهِمْ غَضَبِي، وَصَبَرْتُ لَهُمْ وَرَجَوْتُهُمْ، وَلَكِنْ غَضِبْتُ الْيَوْمَ لِلَّهِ وَلَكَ، فَأَتَيْتُكَ لِأُخْبِرَكَ خَبَرَهُمْ، وَإِنِّي أَسْأَلُكَ بِاللَّهِ الَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِلَّا مَا دَعَوْتَ عَلَيْهِمْ رَبَّكَ أَنْ يُهْلِكَهُمْ، فَقَالَ إِرْمِيَا: يَا مَالِكَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، إِنْ كَانُوا عَلَى حَقٍّ وَصَوابٍ فَأَبْقِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا عَلَى سَخَطِكَ وَعَمَلٍ لَا تَرْضَاهُ، فَأَهْلِكْهُمْ، فَلَمَّا خَرَجَتِ الْكَلِمَةُ مِنْ فِي إِرْمِيَا أَرْسَلَ اللَّهُ صَاعِقَةً مِنَ السَّمَاءِ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَالْتَهَبَ مَكَانُ الْقُرْبَانِ وَخَسَفَ بِسَبْعَةِ أَبْوَابٍ مِنْ أَبْوَابِهَا؛ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ إِرْمِيَا صَاحَ وَشَقَّ ثِيَابَهُ، وَنَبَذَ الرَّمَادَ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَالَ يَا مَالِكَ السَّمَاءِ، وَيَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ أَيْنَ مِيعَادُكَ الَّذِي وَعَدْتَنِي؟ فَنُودِيَ إِرْمَيَا إِنَّهُ لَمْ يُصِبْهُمُ الَّذِي أَصَابَهُمْ إِلَّا بِفُتْيَاكَ الَّتِي أَفْتَيْتَ بِهَا رَسُولَنَا، فَاسْتَيْقَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا فُتْيَاهُ الَّتِي أَفْتَى بِهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَأَنَّهُ رَسُولُ رَبِّهِ، فَطَارَ إِرْمِيَا حَتَّى خَالَطَ الْوحُوشَ، وَدَخَلَ بُخْتَنَصَّرُ وَجُنُودُهُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَوَطِئَ الشَّامَ وَقَتَلَ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى أَفْنَاهُمْ، وَخَرَّبَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ أَمَرَ جُنُودَهُ أَنْ يَمْلَأَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ تُرْسَهُ تُرَابًا ثُمَّ يَقْذِفَهُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَذَفُوا فِيهِ التُّرَابَ حَتَّى مَلَئُوهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ رَاجِعًا إِلَى أَرْضِ بَابِلَ، وَاحْتَمَلَ مَعَهُ سَبَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْمَعُوا مَنْ كَانَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ كُلَّهُمْ، فَاجْتَمَعَ عِنْدَهُ كُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَاخْتَارَ مِنْهُمْ تِسْعِينَ أَلْفَ صَبِيٍّ؛ فَلَمَّا خَرَجَتْ غَنَائِمُ جُنْدِهِ، وَأَرَادَ أَنْ يُقَسِّمَهُمْ -[٥٩٢]- فِيهِمْ، ق


الصفحة التالية
Icon