غَيْرِ اسْتِخْرَاجٍ وَلَا طَلَبٍ لِمَعْرِفَتِهِ بِاحْتِيَالٍ، وَلَكِنْ ابْتِدَاءً بِإِعْلَامِ اللَّهِ إِيَّاهُ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ تَقَدَّمَ ذَلِكَ؛ احْتَذَاهُ، أَوْ بَنَى عَلَيْهِ أَوْ فَزِعَ إِلَيْهِ، كَمَا يَفْزَعُ الْمُتَنَجِّمُ إِلَى حِسَابِهِ، وَالْمُتَكَهِّنُ إِلَى رِئْيِهِ، فَذَلِكَ هُوَ الْفَصْلُ بَيْنَ عَلْمِ الْأَنْبِيَاءِ بِالْغُيُوبِ وَإِخْبَارِهِمْ عَنْهَا، وَبَيْنَ عِلْمِ سَائِرِ الْمُتَكَذِّبَةِ عَلَى اللَّهِ، أَوِ الْمُدَّعِيَةِ عِلْمَ ذَلِكَ
كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: " لَمَّا بَلَغَ عِيسَى تِسْعَ سِنِينَ أَوْ عَشْرًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، أَدْخَلَتْهُ أُمُّهُ الْكُتَّابَ فِيمَا يَزْعُمُونَ، فَكَانَ عِنْدَ رَجُلٍ مِنَ الْمُكْتِبِينَ يُعَلِّمُهُ كَمَا يُعَلِّمُ الْغِلْمَانَ، فَلَا يَذْهَبُ يُعَلِّمُهُ شَيْئًا مِمَّا يُعَلِّمُهُ الْغِلْمَانَ إِلَّا بَدَرَهُ إِلَى عِلْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُعَلِّمَهُ إِيَّاهُ، فَيَقُولُ: أَلَا تَعْجَبُونَ لِابْنِ هَذِهِ الْأَرْمَلَةِ؟ مَا أَذْهَبُ أُعَلِّمُهُ شَيْئًا إِلَّا وَجَدْتُهُ أَعْلَمَ بِهِ مِنِّي "
حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: «لَمَّا كَبِرَ عِيسَى أَسْلَمَتْهُ أُمُّهُ يَتَعَلَّمُ التَّوْرَاةَ، فَكَانَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ غِلْمَانِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا، فَيُحَدِّثُ الْغِلْمَانَ بِمَا يَصْنَعُ آبَاؤُهُمْ»
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩] قَالَ: «كَانَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ إِذْ كَانَ فِي الْكُتَّابِ يُخْبِرُهُمْ بِمَا يَأْكُلُونَ فِي بُيُوتِهِمْ وَمَا يَدَّخِرُونَ»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا -[٤٢٧]- تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩] قَالَ: " إِنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ كَانَ يَقُولُ لِلْغُلَامِ فِي الْكُتَّابِ: يَا فُلَانُ، إِنَّ أَهْلَكَ قَدْ خَبَّئُوا لَكَ كَذَا وَكَذَا مِنَ الطَّعَامِ فَتُطْعِمُنِي مِنْهُ؟ " فَهَكَذَا فِعْلُ الْأَنْبِيَاءِ وَحُجَجُهَا إِنَّمَا تَأْتِي بِمَا أَتَتْ بِهِ مِنَ الْحَجِيجِ بِمَا قَدْ يُوصَلُ إِلَيْهِ بِبَعْضِ الْحِيَلِ، عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي يَأْتِي بِهِ غَيْرُهَا، بَلْ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي يَعْلَمُ الْخَلْقُ أَنَّهُ لَا يُوصَلُ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ بِحِيلَةٍ إِلَّا مِنْ قِبَلِ اللَّهِ. وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَأُنَبْئِكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩] قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ


الصفحة التالية
Icon