الْآخِرَةِ، وَلَا نَصِيبَ لَهُمْ مِنْ نَعِيمِ الْجَنَّةِ، وَمَا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَهْلِهَا فِيهَا دُونَ غَيْرِهِمْ. وَقَدْ بَيَّنَّا اخْتِلَافَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِيمَا مَضَى فِي مَعْنَى الْخَلَاقِ، وَدَلَّلْنَا عَلَى أَوْلَى أَقْوَالِهِمْ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٧٤] فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ بِمَا يَسُرُّهُمْ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، يَقُولُ: وَلَا يَعْطِفُ عَلَيْهِمْ بِخَيْرٍ مَقْتًا مِنَ اللَّهِ لَهُمْ كَقَوْلِ الْقَائِلِ لِآخَرَ: انْظُرْ إِلَيَّ نَظَرَ اللَّهُ إِلَيْكَ، بِمَعْنَى: تَعَطَّفْ عَلَيَّ تَعَطَّفَ اللَّهُ عَلَيْكَ بِخَيْرٍ وَرَحْمَةٍ، وَكَمَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ: لَا سَمِعَ اللَّهُ لَكَ دُعَاءَكَ، يُرَادُ: لَا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَكَ، وَاللَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الوافر]

دَعَوْتُ اللَّهَ حَتَّى خِفْتُ أَنْ لَا يَكُونَ اللَّهُ يَسْمَعُ مَا أَقُولُ
وَقَوْلُهُ ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: ١٧٤] يَعْنِي: وَلَا يُطَهِّرُهُمْ مِنْ دَنَسِ ذُنُوبِهِمْ وَكُفْرِهِمْ، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠] يَعْنِي: وَلَهُمْ عَذَابٌ مُوجِعٌ. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَمَنْ عُنِيَ بِهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَزَلَتْ فِي أَحْبَارٍ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: " نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] فِي أَبِي رَافِعٍ وَكِنَانَةَ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ وَكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَحُيَيِّ -[٥١٧]- بْنِ أَخْطَبَ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ نَزَلَتْ فِي الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ وَخَصْمٍ لَهُ


الصفحة التالية
Icon