ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٠] " أَمَّا ﴿ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ [آل عمران: ٩٠] : فَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ، وَأَمَّا: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران: ٩٠] : فَعِنْدَ مَوْتِهِ إِذَا تَابَ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: عَنَى بِهَا الْيَهُودَ، وَأَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُهُ أَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ الْيَهُودِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ مَبْعَثِهِ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ بِهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا بِمَا أَصَابُوا مِنَ الذُّنُوبِ فِي كُفْرِهِمْ وَمُقَامِهِمْ عَلَى ضَلَالَتِهِمْ، لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ مِنْ ذُنُوبِهِمُ الَّتِي أَصَابُوهَا فِي كُفْرِهِمْ، حَتَّى يَتُوبُوا مِنْ كُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيُرَاجِعُوا التَّوْبَةَ مِنْهُ بِتَصْدِيقِ مَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِالصَّوَابِ؛ لِأَنَّ الْآيَاتِ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا فِيهِمْ نَزَلَتْ، فَأَوْلَى أَنْ تَكُونَ هِيَ فِي مَعْنَى مَا قَبْلَهَا -[٥٦٨]- وَبَعْدَهَا إِذْ كَانَتْ فِي سِيَاقٍ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: مَعْنَى ازْدِيَادِهِمُ الْكُفْرَ مَا أَصَابُوا فِي كُفْرِهِمْ مِنَ الْمَعَاصِي؛ لِأَنَّهُ جَلَّ ثناؤُهُ قَالَ: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران: ٩٠] فَكَانَ مَعْلُومًا أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران: ٩٠] إِنَّمَا هُوَ مَعْنِيُّ بِهِ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ مِمَّا ازْدَادُوا مِنَ الْكُفْرِ عَلَى كُفْرِهِمْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ، لَا مِنْ كُفْرِهِمْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَعَدَ أَنْ يَقْبَلَ التَّوْبَةَ مِنْ عِبَادِهِ، فَقَالَ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥] فَمُحَالٌ أَنْ يَقُولَ عَزَّ وَجَلَّ أَقْبَلُ، وَلَا أَقْبَلُ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَكَانَ مِنْ حُكْمِ اللَّهِ فِي عِبَادِهِ أَنَّهُ قَابِلٌ تَوْبَةَ كُلِّ تَائِبٍ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، وَكَانَ الْكُفْرُ بَعْدَ الْإِيمَانِ أَحَدَ تِلْكَ الذُّنُوبِ الَّتِي وَعَدَ قَبُولَ التَّوْبَةِ مِنْهَا بِقَوْلِهِ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٨٩] عُلِمَ أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي لَا تُقْبَلُ التَّوْبَةُ مِنْهُ، غَيْرُ الْمَعْنَى الَّذِي تُقْبَلُ التَّوْبَةُ مِنْهُ، وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَالَّذِي لَا تُقْبَلُ مِنْهُ التَّوْبَةُ هُوَ الِازْدِيَادُ عَلَى الْكُفْرِ بَعْدَ الْكُفْرِ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ تَوْبَةَ صَاحِبِهِ مَا أَقَامَ عَلَى كُفْرِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنْ مُشْرِكٍ عَمَلًا مَا أَقَامَ عَلَى شِرْكِهِ وَضَلَالِهِ، فَأَمَّا إِنْ تَابَ مِنْ شَرْكِهِ وَكُفْرِهِ وَأَصْلَحَ، فَإِنَّ اللَّهَ كَمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَمَا يُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى ذَلِكَ، كَمَا قَالَ مَنْ قَالَ: فَلَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ مِنْ كُفْرِهِمْ عِنْدَ حُضُورِ أَجَلِهِ، أَوْ تَوْبَتُهُ الْأُولَى؟ -[٥٦٩]- قِيلَ: أَنْكَرْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّوْبَةَ مِنَ الْعَبْدِ غَيْرُ كَائِنَةٍ إِلَّا فِي حَالِ حَيَاتِهِ، فَأَمَّا بَعْدَ مَمَاتِهِ فَلَا تَوْبَةَ، وَقَدْ وَعَدَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عِبَادَهُ قَبُولَ التَّوْبَةِ مِنْهُمْ مَا دَامَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ جَمِيعِ الْحُجَّةِ فِي أَنَّ كَافِرًا لَوْ أَسْلَمَ قَبْلَ خُرُوجِ نَفْسِهِ بِطَرْفَةِ عَيْنٍ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالْمُوَارَثَةِ، وَسَائِرِ الْأَحْكَامِ غَيْرِهِمَا، فَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنْ تَوْبَتَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ لَوْ كَانَتْ غَيْرَ مَقْبُولَةٍ، لَمْ يَنْتَقِلْ حُكْمُهُ مِنْ حُكْمِ الْكُفَّارِ إِلَى حُكْمِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَلَا مَنْزِلَةَ بَيْنَ الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ فِيهَا تَوْبَةَ الْكَافِرِ، فَإِذَا صَحَّ أَنَّهَا فِي حَالِ حَيَاتِهِ مَقْبُولَةٌ، وَلَا سَبِيلَ بَعْدَ الْمَمَاتِ إِلَيْهَا، بَطَلَ قَوْلُ الَّذِي زَعَمَ أَنَّهَا غَيْرُ مَقْبُولَةٍ عِنْدَ حُضُورِ الْأَجَلِ. وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ التَّوْبَةُ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ الْكُفْرِ فَقَوْلٌ لَا مَعْنَى لَهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَصِفِ الْقَوْمَ بِإِيمَانٍ كَانَ مِنْهُمْ بَعْدَ كُفْرٍ، ثُمَّ كُفْرٍ بَعْدَ إِيمَانٍ، بَلْ إِنَّمَا وَصَفَهُمْ بِكُفْرٍ بَعْدَ إِيمَانٍ، فَلَمْ يَتَقَدَّمْ ذَلِكَ الْإِيمَانَ كُفْرٌ كَانَ لِلْإِيمَانِ لَهُمْ تَوْبَةٌ مِنْهُ، فَيَكُونُ تَأْوِيلُ ذَلِكَ عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ قَائِلُ ذَلِكَ، وَتَأْوِيلُ الْقُرْآنِ عَلَى مَا كَانَ مَوْجُودًا فِي ظَاهِرِ التِّلَاوَةِ إِذَا لَمْ تَكُنْ حُجَّةٌ تَدُلُّ عَلَى بَاطِنٍ خَاصٍّ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ وَإِنْ أَمْكَنَ تَوْجِيهُهُ إِلَى غَيْرِهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٠] فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ: وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ، ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا، هُمُ الَّذِينَ ضَلُّوا سَبِيلِ الْحَقِّ، فَأَخْطَئُوا مَنْهَجَهُ، وَتَرَكُوا مَنْصَفَ السَّبِيلِ وَهُدَى اللَّهِ الدِّينَ، حَيْرَةً مِنْهُمْ وَعَمًى عَنْهُ، -[٥٧٠]- وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى مَعْنَى الضَّلَالِ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ