بَغَاكَ وَمَا تَبْغِيهِ حَتَّى وَجَدْتَهُ | كَأَنَّكَ قَدْ وَاعَدْتَهُ أَمْسِ مَوْعِدَا |
يَعْنِي طَلَبَكَ وَمَا تَطْلُبُهُ، يُقَالُ: أَبْغِنِي كَذَا؛ يُرَادُ: ابْتَغِهِ لِي، فَإِذَا أَرَادُوا: أَعِنِّي عَلَى طَلَبِهِ، وَابْتَغِهِ مَعِي قَالُوا: أَبْغِنِي بِفَتْحِ الْأَلْفِ، وَكَذَلِكَ يُقَالُ: أَحْلِبْنِي، بِمَعْنَى: اكْفِنِي الْحَلْبَ وَأَحْلِبْنِي: أَعِنِّي عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ مَا وَرَدَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ فَعَلَى هَذَا. وَأَمَّا الْعِوَجُ: فَهُوَ الْأَوَدُ وَالْمَيْلُ، وَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ الضَّلَالَ عَنِ الْهُدَى يَقُولُ جَلَّ ثناؤُهُ:
﴿لِمَ تَصُدُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٩] عَنْ دِينِ اللَّهِ مَنْ صَدَقَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، تَبْغُونَ دِينَ اللَّهِ اعْوِجَاجًا عَنْ سُنَنِهِ وَاسْتِقَامَتِهِ وَخَرَجَ الْكَلَامُ عَلَى السَّبِيلِ، وَالْمَعْنَى لِأَهْلِهِ، كَأَنَّ الْمَعْنَى: تَبْغُونَ لِأَهْلِ دِينِ اللَّهِ، وَلِمَنْ هُوَ عَلَى سَبِيلِ الْحَقِّ عِوَجًا، يَقُولُ: ضَلَالًا عَنِ الْحَقِّ وَزَيْغًا عَنِ الِاسْتِقَامَةِ عَلَى الْهُدَى وَالْمَحَجَّةِ، وَالْعِوَجُ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ: الْأَوَدُ فِي الدِّينِ وَالْكَلَامِ، وَالْعَوَجُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ: الْمَيْلُ فِي الْحَائِطِ وَالْقَنَاةِ وَكُلِّ شَيْءٍ مُنْتَصِبٍ قَائِمٍ. وَأَمَّا قَوْلُهُ:
﴿وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ﴾ [آل عمران: ٩٩] فَإِنَّهُ يَعْنِي شُهَدَاءَ عَلَى أَنَّ الَّذِيَ تَصُدُّونَ عَنْهُ مِنَ السَّبِيلِ حَقٌّ تَعْلَمُونَهُ وَتَجِدُونَهُ فِي كُتُبِكُمْ
﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٧٤] يَقُولُ: لَيْسَ اللَّهُ بِغَافِلٍ عَنْ أَعْمَالِكُمُ الَّتِي تَعْمَلُونَهَا مِمَّا لَا يَرْضَاهُ لِعِبَادِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ حَتَّى يُعَاجِلَكُمْ بِالْعُقُوبَةِ عَلَيْهَا مُعَجَّلَةً، أَوْ يُؤَخِّرَ ذَلِكَ لَكُمْ، حَتَّى تَلْقَوْهُ، فَيُجَازِيكُمْ عَلَيْهَا. وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ