الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: أَنَّهُ يُعَاقِبُ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ بِمَا ذَكَرَ أَنَّهُ مُعَاقِبُهُمْ بِهِ مِنَ الْعَذَابِ الْعَظِيمِ، وَتَسْوِيدِ الْوُجُوهِ، وَيُثِيبُ أَهْلَ الْإِيمَانِ بِهِ الَّذِينَ ثَبَتُوا عَلَى التَّصْدِيقِ وَالْوَفَاءِ بِعُهُودِهِمُ الَّتِي عَاهَدُوا عَلَيْهَا، بِمَا وَصَفَ أَنَّهُ مُثِيبُهُمْ بِهِ مِنَ الْخُلُودِ فِي جَنَّاتِهِ مِنْ غَيْرِ ظُلْمٍ مِنْهُ لِأَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ فِيمَا فَعَلَ؛ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ بِهِ إِلَى الظُّلْمِ، وَذَلِكَ أَنَّ الظَّالِمَ إِنَّمَا يَظْلِمُ غَيْرَهُ لِيَزْدَادَ إِلَى عِزَّتِهِ عِزَّةً بِظُلْمِهِ إِيَّاهُ، وَإِلَى سُلْطَانِهِ سُلْطَانًا، وَإِلَى مُلْكِهِ مُلْكًا؛ لِنُقْصَانٍ فِي بَعْضِ أَسْبَابِهِ يُتَمِّمُ بِمَا ظَلَمَ غَيْرَهُ فِيهِ مَا كَانَ نَاقِصًا مِنْ أَسْبَابِهِ عَنِ التَّمَامِ، فَأَمَّا مَنْ كَانَ لَهُ جَمِيعُ مَا بَيْنَ أَقْطَارِ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ، وَمَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَلَا مَعْنَى لِظُلْمِهِ أَحَدًا فَيَجُوزُ أَنْ يَظْلِمَ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَسْبَابِهِ شَيْءٌ نَاقِصٌ يَحْتَاجُ إِلَى تَمَامٍ، فَيُتِمُّ ذَلِكَ بِظُلْمِ غَيْرِهِ، تَعَالَى اللَّهُ عُلُوًّا كَبِيرًا؛ وَلِذَلِكَ قَالَ جَلَّ ثناؤُهُ عُقَيْبَ قَوْلِهِ: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٨] :﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾