ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥] بَعْدَ إِجْمَاعِ جَمِيعِهِمْ عَلَى أَنَّ تَأْوِيلَ سَائِرِ الْآيَةِ عَلَى مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّأْوِيلِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَأْوِيلُ ذَلِكَ: قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ، بِخِلَافِكُمْ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ أَشَارَ عَلَيْكُمْ بِتَرْكِ الْخُرُوجِ إِلَى عَدُوِّكُمْ وَالْإِصْحَارِ لَهُمْ، حَتَّى يَدْخُلُوا عَلَيْكُمْ مَدِينَتَكُمْ، وَيَصِيرُوا بَيْنَ آطَامِكُمْ، فَأَبَيْتُمْ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَقُلْتُمُ: اخْرُجْ بِنَا إِلَيْهِمْ حَتَّى نُصْحِرَ لَهُمْ فَنُقَاتِلَهُمْ خَارِجَ الْمَدِينَةِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ [آل عمران: ١٦٥] أُصِيبُوا يَوْمَ أُحُدٍ، قُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ يَوْمَئِذٍ، وَأَصَابُوا مِثْلَيْهَا يَوْمَ بَدْرٍ، قَتَلُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ سَبْعِينَ، وَأَسَرُوا سَبْعِينَ. ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥] ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ قَدِمَ أَبُو سُفْيَانَ وَالْمُشْرِكُونَ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ: «إِنَّا فِي جُنَّةٍ حَصِينَةٍ» يَعْنِي بِذَلِكَ: الْمَدِينَةَ «فَدَعُوا الْقَوْمَ أَنْ يَدْخُلُوا عَلَيْنَا نُقَاتِلُهُمْ» فَقَالَ نَاسٌ لَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ مِنَ الْأَنْصَارِ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ: إِنَّا نَكْرَهُ أَنْ نَقْتُلَ فِي طُرُقِ الْمَدِينَةِ، وَقَدْ كُنَّا نَمْتَنِعُ فِي الْغَزْوِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَبِالْإِسْلَامِ أَحَقُّ أَنْ نَمْتَنِعَ فِيهِ، فَابْرُزْ بِنَا إِلَى الْقَوْمِ، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَبِسَ لَأْمَتَهُ، فَتَلَاوَمَ الْقَوْمُ، فَقَالُوا -[٢١٦]- عَرَّضَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَمْرٍ، وَعَرَّضْتُمْ بِغَيْرِهِ، اذْهَبْ يَا حَمْزَةُ فَقُلْ لِنَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمْرُنَا لِأَمْرِكَ تَبَعٌ، فَأَتَى حَمْزَةُ فَقَالَ لَهُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّ الْقَوْمَ قَدْ تَلَاوَمُوا، وَقَالُوا: أَمْرُنَا لِأَمْرِكَ تَبَعٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّهُ لَيْسَ لِنَبِيٍّ إِذَا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أَنْ يَضَعَهَا حَتَّى يُنَاجِزَ، وَإِنَّهُ سَتَكُونُ فِيكُمْ مُصِيبَةٌ» قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ خَاصَّةً أَوْ عَامَّةً؟ قَالَ: «سَتَرَوْنَهَا» ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى فِي الْمَنَامِ أَنَّ بَقَرًا تُنْحَرُ، فَتَأَوَّلَهَا قَتْلًا فِي أَصْحَابِهِ، وَرَأَى أَنَّ سَيْفَهُ ذَا الْفَقَارِ انْقَصَمَ، فَكَانَ قَتْلُ عَمِّهِ حَمْزَةَ، قُتِلَ يَوْمَئِذٍ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: أَسَدُ اللَّهِ، وَرَأَى أَنَّ كَبْشًا عُتِرَ، فَتَأَوَّلَهُ كَبْشَ الْكَتِيبَةِ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي طَلْحَةَ أُصِيبَ يَوْمَئِذٍ، وَكَانَ مَعَهُ لِوَاءُ الْمُشْرِكِينَ. حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، بِنَحْوِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ [آل عمران: ١٦٥] يَقُولُ: «مِثْلَيْ مَا أُصِيبَ مِنْكُمْ» ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥] يَقُولُ: «بِمَا عَصَيْتُمْ»


الصفحة التالية
Icon