تَقْصُرْهَا الْقَصْرَ الَّذِي أَبَحْتُ لَهُمْ أَنْ يَقْصُرُوهَا فِي حَالِ تَلَاقِيهِمْ وَعَدُوِّهِمْ وَتَزَاحُفِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، مِنْ تَرْكِ إِقَامَةِ حُدُودِهَا وَرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا وَسَائِرِ فُرُوضِهَا ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] يَعْنِي: فَلْتَقُمْ فِرْقَةٌ مِنْ أَصْحَابِكَ الَّذِينَ تَكُونُ أَنْتَ فِيهِمْ مَعَكَ فِي صَلَاتِكَ، وَلْيَكُنْ سَائِرُهُمْ فِي وُجُوهِ الْعَدُوِّ، وَتَرَكَ ذِكْرَ مَا يَنْبَغِي لِسَائِرِ الطَّوَائِفِ غَيْرِ الْمُصَلِّيَةِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَفْعَلَهُ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ الْمَذْكُورِ عَلَى الْمُرَادِ بِهِ وَالِاسْتِغْنَاءِ بِمَا ذَكَرَ عَمَّا تَرَكَ ذِكْرَهُ. ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الطَائِفَةِ الْمَأْمُورَةِ بِأَخْذِ السِّلَاحِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ الطَائِفَةُ الَّتِي كَانَتْ تُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: وَمَعْنَى الْكَلَامِ: ﴿وَلْيَأْخُذُوا﴾ [النساء: ١٠٢] يَقُولُ: " وَلْتَأْخُذِ الطَائِفَةُ الْمُصَلِّيَةُ مَعَكَ مِنْ طَوَائِفِهِمْ ﴿أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، وَالسِّلَاحُ الَّذِي أُمِرُوا بِأَخْذِهِ عِنْدَهُمْ فِي صَلَاتِهِمْ كَالسَّيْفِ يَتَقَلَّدَهُ أَحَدُهُمْ وَالسِّكِّينِ وَالْخِنْجَرِ يَشُدُّهُ إِلَى دِرْعِهِ وَثِيَابِهِ الَّتِي هِيَ عَلَيْهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ سِلَاحِهِ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الطَائِفَةُ الْمَأْمُورَةُ بِأَخْذِ السِّلَاحِ مِنْهُمُ، الطَائِفَةُ الَّتِي كَانَتْ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ وَدُونَ الْمُصَلِّيَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ
حَدَّثَنِي بِذَلِكَ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا﴾ [النساء: ١٠٢] يَقُولُ: " فَإِذَا سَجَدَتِ الطَائِفَةُ الَّتِي قَامَتْ مَعَكَ فِي صَلَاتِكَ تُصَلِّي بِصَلَاتِكَ، فَفَرَغَتْ مِنْ سُجُودِهَا ﴿فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]-[٤٢٥]- يَقُولُ: «فَلْيَصِيرُوا بَعْدَ فَرَاغِهِمْ مِنْ سُجُودِهِمْ خَلْفَكُمْ مُصَافِّي الْعَدُوِّ فِي الْمَكَانِ الَّذِي فِيهِ سَائِرُ الطَّوَائِفِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ مَعَكَ وَلَمْ تَدْخُلْ مَعَكَ فِي صَلَاتِكَ» ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَأْوِيلُهُ: فَإِذَا صَلُّوا فَفَرَغُوا مِنْ صَلَاتِهِمْ فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ. ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا صَلَّتْ هَذِهِ الطَائِفَةُ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً، سَلَّمَتْ وَانْصَرَفَتْ مِنْ صَلَاتِهَا حَتَّى تَأْتِيَ مَقَامَ أَصْحَابِهَا بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهَا، وَهُمُ الَّذِينَ قَالُوا: عَنَى اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١] أَنْ تَجْعَلُوهَا إِذَا خِفْتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَفْتِنُوكُمْ رَكْعَةً. ورَوَوْا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ صَلَّى بطَائِفَةٍ صَلَاةَ الْخَوْفِ رَكْعَةً وَلَمْ يَقْضُوا، وَبِطَائِفَةٍ أُخْرَى رَكْعَةً وَلَمْ يَقْضُوا. وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى وَفِيمَا ذَكَرْنَا كِفَايَةٌ عَنِ اسْتِيعَابِ ذِكْرِ جَمِيعِ مَا فِيهِ. وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: بَلِ الْوَاجِبُ كَانَ عَلَى هَذِهِ الطَائِفَةِ الَّتِي أَمَرَهَا اللَّهُ بِالْقِيَامِ مَعَ نَبِيِّهَا إِذَا أَرَادَ إِقَامَةَ الصَّلَاةِ بِهِمْ فِي حَالِ خَوْفِ الْعَدُوِّ إِذَا فَرَغَتْ مِنْ رَكْعَتِهَا الَّتِي أَمَرَهَا اللَّهُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا أَمَرَهَا بِهِ فِي كِتَابِهِ أَنْ تَقُومَ فِي مُقَامُهَا الَّذِي صَلَّتْ فِيهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتُصَلِّي لِأَنْفُسِهَا بَقِيَّةَ -[٤٢٦]- صَلَاتِهَا وَتُسَلِّمَ، وَتَأْتِيَ مَصَافَّ أَصْحَابِهَا، وَكَانَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَثْبُتَ قَائِمًا فِي مَقَامِهِ حَتَّى تَفْرُغَ الطَائِفَةُ الَّتِي صَلَّتْ مَعَهُ الرَّكْعَةَ الْأُولَى مِنْ بَقِيَّةِ صَلَاتِهَا، إِذَا كَانَتْ صَلَاتُهَا الَّتِي صَلَّتْ مَعَهُ مِمَّا يَجُوزُ قَصْرُ عَدَدِهَا عَنِ الْوَاجِبِ الَّذِي عَلَى الْمُقِيمِينَ فِي أَمْنٍ، وَتَذْهَبُ إِلَى مَصَافِّ أَصْحَابِهَا، وَتَأْتِي الطَائِفَةُ الْأُخْرَى الَّتِي كَانَتْ مُصَافَّةً عَدُوِّهَا، فَيُصَلِّي بِهَا رَكْعَةً أُخْرَى مِنْ صَلَاتِهَا ثُمَّ هُمْ فِي حُكْمِ هَذِهِ الطَائِفَةِ الثَّانِيَةِ مُخْتَلِفُونَ، فَقَالَتْ فِرْقَةٌ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ: كَانَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا فَرَغَ مِنْ رَكْعَتَيْهِ وَرَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ سُجُودِهِ مِنْ رَكْعَتِهِ الثَّانِيَةِ أَنْ يَقْعُدَ لِلتَّشَهُّدِ، وَعَلَى الطَائِفَةِ الَّتِي صَلَّتْ مَعَهُ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ وَلَمْ تُدْرِكْ مَعَهُ الرَّكْعَةَ الْأُولَى لِاشْتِغَالِهَا بِعَدُوِّهَا أَنْ تَقُومَ فَتَقْضِيَ رَكْعَتَهَا الْفَائِتَةَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتِظَارُهَا قَاعِدًا فِي تَشَهُّدِهِ حَتَّى تَفْرُغَ هَذِهِ الطَائِفَةُ مِنْ رَكْعَتِهَا الْفَائِتَةِ وَتَتَشَهَّدَ، ثُمَّ يُسَلِّمَ بِهِمْ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرَى مِنْهُمْ: بَلْ كَانَ الْوَاجِبُ عَلَى الطَائِفَةِ الَّتِي لَمْ تُدْرِكْ مَعَهُ الرَّكْعَةَ الْأُولَى إِذَا قَعَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلتَّشَهُّدِ أَنْ تَقْعُدَ مَعَهُ لِلتَّشَهُّدِ فَتَتَشَهَّدَ بِتَشَهُّدِهِ، فَإِذَا فَرَغَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تَشَهُّدِهِ سَلَّمَ، ثُمَّ قَامَتِ الطَائِفَةُ الَّتِي صَلَّتْ مَعَهُ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ حِينَئِذٍ، فَقَضَتْ رَكْعَتَهَا الْفَائِتَةَ. وَكُلُّ قَائِلٍ مِنَ الَّذِينَ ذَكَرْنَا قَوْلَهُمْ رَوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَارًا بِأَنَّهُ كَمَا قَالَ فَعَلَ


الصفحة التالية
Icon