ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، قَالَ: جَلَسْنَا إِلَى مُطَرِّفِ بْنِ الشِّخِّيرِ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ، فَحَدَّثَهُمْ فَقَالَ: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١] : صَيْدًا، ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١] : فَهُوَ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ. يَعْنِي: بَقَرَ الْوَحْشِ وَالظِّبَاءِ وَأَشْبَاهَهُ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١] قَالَ: «الْأَنْعَامُ كُلُّهَا حِلٌّ إِلَّا مَا كَانَ مِنْهَا وَحْشِيًّا، فَإِنَّهُ صَيْدٌ، فَلَا يَحِلُّ إِذَا كَانَ مُحْرِمًا» وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عَلَى مَا تَظَاهَرَ بِهِ تَأْوِيلُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِي قَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١] مِنْ أَنَّهَا الْأَنْعَامُ وَأَجِنَّتِهَا وَسِخَالِهَا، وَعَلَى دَلَالَةِ ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ، فَقَدْ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ فِي حَالِ إِحْرَامِكُمْ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ أَحْوَالِكُمْ، إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ تَحْرِيمُهُ مِنَ الْمَيْتَةِ مِنْهَا وَالدَّمِ وَمَا أُهِلَّ -[٢٠]- لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ. وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١] لَوْ كَانَ مَعْنَاهُ: إِلَّا الصَّيْدَ، لَقِيلَ: إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ مِنَ الصَّيْدِ غَيْرَ مُحِلِّيهِ، وَفِي تَرْكِ اللَّهِ وَصْلَ قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١] بِمَا ذَكَرْتُ، وَإْظِهَارُ ذِكْرِ الصَّيْدِ فِي قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ [المائدة: ١] أَوْضَحُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١] خَبَرٌ مُتَنَاهِيَةٌ قِصَّتُهُ، وَأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ [المائدة: ١] مُنْفَصِلٌ مِنْهُ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ قَوْلُهُ: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١] مَقْصُودًا بِهِ قَصْدُ الْوَحْشِ، لَمْ يَكُنْ أَيْضًا لِإِعَادَةِ ذِكْرِ الصَّيْدِ فِي قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ [المائدة: ١] وَجْهٌ وَقَدْ مَضَى ذِكْرُهُ قَبْلُ، وَلَقِيلَ: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ، إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ، غَيْرَ مُحِلِّيهِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ. وَفِي إِظْهَارِهِ ذِكْرُ الصَّيْدِ فِي قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ [المائدة: ١] أَبْيَنُ الدَّلَالَةِ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ " فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّ الْعَرَبَ رُبَّمَا أَظْهَرِتْ ذِكْرَ الشَّيْءِ بِاسْمِهِ وَقَدْ جَرَى ذِكْرُهُ بِاسْمِهِ؟ قِيلَ: ذَلِكَ مَنْ فَعَلَهَا ضَرُورَةُ شِعْرٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِالْفَصِيحِ الْمُسْتَعْمَلِ مِنْ كَلَامِهِمْ، وَتَوْجِيهُ كَلَامِ اللَّهِ إِلَى الْأَفْصَحِ مِنْ لُغَاتِ مَنْ نَزَلَ كَلَامُهُ بِلُغَتِهِ أَوْلَى مَا وُجِدَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ مِنْ صَرْفِهِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ " فَمَعْنَى الْكَلَامِ إِذَنْ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِعُقُودِ اللَّهِ الَّتِي عَقَدَ عَلَيْكُمْ، مِمَّا حَرَّمَ وَأَحَلَّ، لَا مُحِلِّينَ الصَّيْدَ فِي حَرَمِكُمْ، فَفِيمَا أَحَلَّ لَكُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ الْمُذَكَّاةِ دُونَ مِيتَتِهَا مُتَّسَعٌ لَكُمْ وَمُسْتَغْنًى عَنِ الصَّيْدِ فِي حَالِ إِحْرَامِكُمْ "