يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ ﴿وَقَالَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ١٢] لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾ [المائدة: ١٢] يَقُولُ: " إِنِّي نَاصِرُكُمْ عَلَى عَدُوِّكُمْ وَعَدُوِّي الَّذِينَ أَمَرْتُكُمْ بِقِتَالِهِمْ إِنْ قَاتَلْتُمُوهُمْ وَوَفَيْتُمْ بِعَهْدِي وَمِيثَاقِي الَّذِي أَخَذْتُهُ عَلَيْكُمْ. وَفِي الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ اسْتَغْنَى، بِمَا ظَهَرَ مِنَ الْكَلَامِ عَمَّا حُذِفَ مِنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَقَالَ اللَّهُ لَهُمْ: إِنِّي مَعَكُمْ، فَتَرَكَ ذِكْرَ لَهُمْ، اسْتِغْنَاءً بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة: ١٢] إِذْ كَانَ مُتَقَدِّمُ الْخَبَرِ عَنْ قَوْمٍ مُسَمَّيْنَ بِأَعْيَانِهِمْ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ سِيَاقَ مَا فِي الْكَلَامِ مِنَ الْخَبَرِ عَنْهُمْ، إِذْ لَمْ يَكُنِ الْكَلَامُ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ. ثُمَّ ابْتَدَأَ رَبُّنَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْقَسَمَ، فَقَالَ: قَسَمٌ ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمْ﴾ [المائدة: ١٢] مَعْشَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ﴾ [المائدة: ١٢] أَيْ " أَعْطَيْتُمُوهَا مَنْ أَمَرْتُكُمْ بِإِعْطَائِهَا ﴿وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي﴾ [المائدة: ١٢] يَقُولُ: «وَصَدَّقْتُمْ بِمَا آتَاكُمْ بِهِ رُسُلِي مِنْ شَرَائِعِ دِينِي» وَكَانَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ يَقُولُ: هَذَا خِطَابٌ مِنَ اللَّهِ لِلنُّقَبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ
حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ: أَنَّ مُوسَى، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلنُّقَبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ سِيرُوا إِلَيْهِمْ يَعْنِي إِلَى الْجَبَّارِينَ فَحَدِّثُونِي حَدِيثَهُمْ، وَمَا أَمْرُهُمْ، وَلَا تَخَافُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَكُمْ مَا أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا " -[٢٤٣]- وَلَيْسَ الَّذِي قَالَهُ الرَّبِيعُ فِي ذَلِكَ بِبَعِيدٍ مِنَ الصَّوَابِ، غَيْرَ أَنَّ مِنَ قَضَاءِ اللَّهِ فِي جَمِيعِ خَلْقِهِ أَنَّهُ نَاصِرٌ مَنْ أَطَاعَهُ، وَوَلِيُّ مَنِ اتَّبَعَ أَمْرَهُ وَتَجَنَّبَ مَعْصِيَتَهُ وَجَافَى ذُنُوبَهُ. فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَكَانَ مِنْ طَاعَتِهِ: إِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَالْإِيمَانُ بِالرُّسُلِ، وَسَائِرِ مَا نَدَبَ الْقَوْمَ إِلَيْهِ؛ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ تَكْفِيرَ السَّيِّئَاتِ بِذَلِكَ وَإِدْخَالَ الْجَنَّاتِ بِهِ لَمْ يُخَصَّصُ بِهِ النُّقَبَاءُ دُونَ سَائِرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ غَيْرِهِمْ، فَكَانَ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ نَدْبًا لِلْقَوْمِ جَمِيعًا وَحَضًّا لَهُمْ عَلَى مَا حَضَّهُمْ عَلَيْهِ، أَحَقُّ وَأَوْلَى مِنْ أَنْ يَكُونَ نَدْبًا لِبَعْضٍ وَحَضًّا لِخَاصٍّ دُونَ عَامٍّ. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ [المائدة: ١٢] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَأْوِيلُ ذَلِكَ: وَنَصَرْتُمُوهُمْ


الصفحة التالية
Icon