الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ [المائدة: ٢٢] وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ جَوَابِ قَوْمِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِذْ أَمَرَهُمْ بِدُخُولِ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، أَنَّهُمْ أَبَوْا عَلَيْهِ إِجَابَةً إِلَى مَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ ذَلِكَ، وَاعْتَلُّوا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ بِأَنْ قَالُوا: إِنَّ فِي الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ الَّتِي تَأْمُرُنَا بِدُخُولِهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ لَا طَاقَةَ لَنَا بِحَرْبِهِمْ وَلَا قُوَّةَ لَنَا بِهِمْ. وَسَمُّوهُمْ جَبَّارِينَ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا بِشِدَّةِ بَطْشِهِمْ وَعَظِيمِ خَلْقِهِمْ فِيمَا ذِكِرَ لَنَا قَدْ قَهَرُوا سَائِرَ الْأُمَمِ غَيْرَهُمْ. وَأَصْلُ الْجَبَّارِ: الْمُصْلِحُ أَمْرَ نَفْسِهِ وَأَمْرَ غَيْرِهِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ مَنِ اجْتَرَّ نَفْعًا إِلَى نَفْسِهِ بِحَقٍّ أَوْ بَاطِلٍ طَلَبَ الْإِصْلَاحَ لَهَا، حَتَّى قِيلَ لِلْمُتَعَدِّي إِلَى مَا لَيْسَ لَهُ بَغْيًا عَلَى النَّاسِ وَقَهْرًا لَهُمْ وَعُتُوًّا عَلَى رَبِّهِ: جَبَّارٌ، وَإِنَّمَا هُوَ فَعَّالٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: جَبَرَ فُلَانٌ هَذَا الْكَسْرَ إِذَا أَصْلَحَهُ وَلَأَمَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاجِزِ:
[البحر الرجز]
قَدْ جَبَرَ الدِّينَ الْإِلَهُ فَجَبَرَ | وَعَوَّرَ الرَّحْمَنُ مَنْ وَلَّى الْعَوَرْ |