وَهَذَا تَقْرِيعٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْعَادِلِينَ بِهِ الْأَوْثَانَ مِنْ عَبَدَةِ الْأَصْنَامِ الَّذِينَ بَحَرُوا الْبَحَائِرَ وَسَيَّبُوا السَّوَائِبَ وَوَصَلُوا الْوَصَائِلَ، وَتَعْلِيمٌ مِنْهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ الْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ فِي تَحْرِيمِهِمْ مَا حَرَّمُوا مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَبِرَسُولِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ [الأنعام: ١٤١] وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَنْشَأَ حَمُولَةً وَفَرْشًا. ثُمَّ بَيَّنَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْحَمُولَةَ وَالْفَرْشَ، فَقَالَ: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الأنعام: ١٤٣]، وَإِنَّمَا نَصَبَ الثَّمَانِيَةَ، لِأَنَّهَا تَرْجَمَةٌ عَنِ الْحَمُولَةِ وَالْفَرْشِ وَبَدَلٌ مِنْهَا، كَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَنْشَأَ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ، فَلَمَّا قَدَّمَ قَبْلَ الثَّمَانِيَةِ الْحَمُولَةَ وَالْفَرْشَ بَيَّنَ ذَلِكَ بَعْدُ، فَقَالَ: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الأنعام: ١٤٣] عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى، ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣] فَذَلِكَ أَرْبَعَةٌ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْأُنْثَيَيْنِ مِنَ الضَّأْنِ زَوْجٌ، فَالْأُنْثَى مِنْهُ زَوْجُ الذَّكَرِ، وَالذَّكَرُ مِنْهُ زَوْجُ الْأُنْثَى، وَكَذَلِكَ ذَلِكَ مِنَ الْمَعْزِ وَمِنْ سَائِرِ الْحَيَوَانِ، فَلِذَلِكَ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الأنعام: ١٤٣] كَمَا قَالَ: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩]، لِأَنَّ الذَّكَرَ زَوْجُ الْأُنْثَى، وَالْأُنْثَى زَوْجُ الذَّكَرِ، فَهُمَا وَإِنْ كَانَا اثْنَيْنِ فَهُمَا زَوْجَانِ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]، وَكَمَا قَالَ: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧]
وَكَمَا حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣] «ذَكَرٌ وَأُنْثَى»، ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤] «ذَكَرٌ وَأُنْثَى»، ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤] «ذَكَرٌ وَأُنْثَى» وَيُقَالُ لِلِاثْنَيْنِ: هُمَا زَوْجٌ، كَمَا قَالَ لَبِيدٌ:
[البحر الكامل]