٢ - ﴿ هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ﴾ هم بنو النضير وهم رهط من اليهود من ذرية هارون نزلوا المدينة في فتن بني إسرائيل انظارا منهم لمحمد صلى الله عليه و سلم فغدروا بالنبي صلى الله عليه و سلم بعد أن عاهدوه وصاروا عليه مع المشركين فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى رضوا بالجلاء قال الكلبي : كانوا أول من أجلي من أهل الذمة من جزيرة العرب ثم أجلي آخرهم في زمن عمر بن الخطاب فكان جلاؤهم أول حشر من المدينة وآخر حشر إجلاء عمر لهم وقيل إن أول الحشر إخراجهم من حصونهم إلى خيبر وآخر الحشر إخراجهم من خيبر إلى الشام وقيل آخر الحشر هو حشر جميع الناس إلى أرض المحشر وهي الشام قال عكرمة : من شك أن المحشر يوم القيامة في الشام فليقرأ هذه الآية وأن النبي صلى الله عليه و سلم قال لهم : اخرجوا قالوا إلى أين ؟ قال إلى أرض المحشر قال ابن العربي : الحشر أول وأوسط وآخر فالأول إجلاء بني النضير والأوسط إجلاء أهل خيبر والآخر يوم القيامة
وقد أجمع المفسرون على أن هؤلاء المذكورين في الآية هم بنو النضير ولم يخالف في ذلك إلا الحسن البصري فقال : هم بنو قريظة وهو غلط فإن بني قريظة ما حشروا بل قتلوا بحكم سعد بن معاذ لما رضوا بحكمه فحكم عليهم بأن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم وتغنم أموالهم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لسعد : لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة واللام في لأول الحشر متعلقة بأخرج وهي لام التوقيت كقوله :﴿ لدلوك الشمس ﴾ ﴿ ما ظننتم أن يخرجوا ﴾ هذا خطاب للمسلمين : أي ما ظننتم أيها المسلمون أن بني النضير يخرجون من ديارهم لعزتهم ومنعتهم وذلك أنهم كانوا أهل حصون مانعة وعقار ونخيل واسعة وأهل عدد وعدة ﴿ وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله ﴾ أي وظن بنو النضير أن حصونهم تمنعهم من بأس الله وقوله مانعتهم خبر مقدم وحصونهم مبتدأ مؤخر والجملة خبر أنهم ويجوز أن يكون مانعتهم خبر أنهم وحصونهم فاعل مانعتهم ورجح الثاني أبو حيان والأول أولى ﴿ فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ﴾ أي أتاهم أمر الله من حيث لم يخطر ببالهم أنه يأتيهم أمره من تلك الجهة وهو أنه سبحانه أمر نبيه صلى الله عليه و سلم بقتالهم وإجلائهم وكانوا لا يظنون ذلك وقيل هو قتل رئيسهم كعب بن الأشرف قاله ابن جريح والسدي وأبو صالح فإن قتله أضعف شوكتهم وقيل إن الضمير في أتاهم ولم يحتسبوا للمؤمنين : أي فأتاهم نصر الله من حيث لم يحتسبوا والأول أولى لقوله :﴿ وقذف في قلوبهم الرعب ﴾ فإن قذف الرعب كان في قلوب بني النضير لا في قلوب المسلمين قال أهل اللغة : الرعب الخوف الذي يرعب الصدر : أي يملؤه وقذفه إثباته فيه وقيل كان قذف الرعب في قلوبهم بقتل سيدهم كعب بن الأشرف والأولى عدم تقييده بذلك وتفسيره به بل المراد بالرعب الذي قذفه الله في قلوبهم هو الذي ثبت في الصحيح من قوله صلى الله عليه و سلم :[ نصرت بالرعب مسيرة شهر ] ﴿ يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ﴾ وذلك أنهم لما أيقنوا بالجلاء حسدوا المسلمين أن يسكنوا منازلهم فجعلوا يخربونها من داخل والمسلمون من خارج قال قتادة والضحاك : كان المؤمنون يخربون من خارج ليدخلوا واليهود من داخل ليبنوا به ما خرب من حصنهم قال الزجاج : معنى تخريبها بأيدي المؤمنين أنهم عرضوها لذلك قرأ الجمهور ﴿ يخربون ﴾ بالتخفيف وقرأ الحسن والسلمي ونصر بن عاصم وأبو العالية وأبو عمرو بالتشديد قال أبو عمرو : إنما اخترت القراءة بالتشديد لأن الإخراب ترك الشيء خرابا وإنما خربوها بالهدم وليس ما قاله بمسلم فإن التخريب والإخراب عند أهل اللغة بمعنى واحد قال سيبويه : إن معنى فعلت وأفعلت يتعاقبان نحو أخربته وخربته وأفرحته وفرحته واختار القراءة الأولى أبو عبيد وأبو حاتم قال الزهري وابن زيد وعروة بن الزبير : لما صالحهم النبي صلى الله عليه و سلم على أن لهم ما أقلت الإبل كانوا يستحسنون الخشبة أو العمود فيهدمون بيوتهم ويحملون ذلك على إبلهم ويخرب المؤمنون باقيها وقال الزهري أيضا : يخربون بيوتهم بنقض المعاهدة وأيدي المؤمنين بالمقاتلة وقال أبو عمرو : بأيديهم في تركهم لها وبأيدي المؤمنين في إجلائهم عنها والجملة إما مستأنفة لبيان ما فعلوه أو في محل نصب على الحال ﴿ فاعتبروا يا أولي الأبصار ﴾ أي اتعظوا وتدبروا وانظروا فيما نزل بهم يا أهل العقول والبصائر قال الواحدي : ومعنى الاعتبار النظر في الأمور ليعرف بها شيء آخر من جنسها


الصفحة التالية
Icon