وعلى هذا جميع ما جاء في التنزيل من قوله :" ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً " في بني إسرائيل والكهف دليله ظهوره في قوله تعالى :" بشر المنافقين بأن لهم ".
وقوله :" يبشرهم ربهم برحمة منه " وقوله :" فبشرناها بإسحاق " وقوله :" بشرناك بالحق " وقوله :" يبشرك بيحيى " وقوله :" لتبشر به المتقين ".
ومن ذلك قوله تعالى :" إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها " أي : لا يستحيى من ضرب المثل فحذف من.
ويكثر حذف المثل لجر من أن ويقل مع المصدر يحسن أن يضرب والتقدير : من أن يضرب ولا يحسن حذف : من ضرب.
وأما قوله بعوضة فقيل : التقدير : أن يضرب مثلاً ببعوضة وما صلة زائدة فحذف الباء.
وقيل : ما نكرة في تقدير : شئ و بعوضة بدل منه.
وقال أبو علي في معنى الآية : لا يجوز في القياس أن يريد أصغر منها.
وقد حكى عن الكلبي أنه يريد : دونها.
وقال ابن عباس فما فوقها الذباب فوق البعوضة وهو الحسن.
قال أبو علي : وإنما يجوز هذا في الصفة هذا صغير وفوق الصغير وقليل وفوق القليل أي جاوز القليل.
فأما هذه نملة وفوق النملة وحمار وفوق حمار يريد أصغر من النملة ومن الحمار فلا يجوز ذلك لأن هذا اسم ليس فيه معنى الصفة التي جاز فيها ذلك.
الفراء : فما فوقها يريد : أكبر منها وهو العنكبوت والذباب ولو جعلت في مثله من الكلام فما فوقها تريد أصغر منها لجاز ولست أستحسنه لأن البعوضة غاية في الصغر فأحب إلى أن أجعل فما فوقها أكبر منها.
ألا ترى أنك تقول : تعطى من الزكاة الخمسون فما دونها والدرهم فما فوقه ويضيق الكلام أن تقول : فوقه فيهما أو دونه فيهما.
وموضع حسنها في الكلام أن يقول القائل : إن فلاناً لشريف.
فيقول السامع : وفوق ذلك يريد المدح.
أو يقول : إنه لبخيل.
فيقول : وفوق ذلك.
يريد بكليهما معنى أكبر.
فإذا عرفت الرجل فقلت : دون ذاك فكأنك تحطه عن غاية الشرف أو غاية البخل.


الصفحة التالية
Icon