وإن في الجزاء أمثل؛ لأنه بغير الواجب أشبه، ألا ترى أنه خبر غير مبت كسائر الأخبار وفي هذا الكلام شيء آخر وهو أن قوله الجزاء إذا جاء في الفعل معه النون الخفيفة والثقيلة؛ لزمه ما يوهم أن ما لزمت لدخول النون؛ وأن لحاق النون سبب لحاق ما؛ والأمر بعكس ذلك وخلافه؛ لأن السبب الذي له دخلت النون الشرط في قوله فإما يأتينكم مني هدى، فإما ترين من البشر أحداً، وإما تعرضن عنهم، ونحو ذلك عند النحويين، إنما هو لحاق ما أول الفعل بعد إن، فلذلك صار موضعاً للتنوين بعد أن لم يكن لهما موضع وإنما كان كذلك عند سيبويه وأصحابه، لمشابهة فعل الشرط بلحاق ما به بعد إن دون أخواتها الفعل المقسم عليه، ولمشابهة كل واحد منهما صاحبه في معنى التوكيد بهما، فسبب لحاق النون دخول ما، على ما يذهب إليه النحويون، وكان لزوم النون فعل الشرط الوجه لدخول الحرف قبله، إذا كان في خبر غير مبت فإن قيل لم لزمت النون فعل الشرط مع إن إذا لحقتها ما دون سائر أخواتها؟ وهلا لزمت سائر أفعال الشرط؛ إذا دخلت على حرف المجازاة ما كما لزمته مع إن، إذ ما ذكروه من الشبه ليفعلن موجود في سائر الحروف، وقد جاء أينما تكونوا يدرككم الموت، وأينما تكونوا يأت بكم الله، وأيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى، وكل ذلك لا نون فيه؟ الجواب في ذلك أن النون لم تلحق الشرط مع سائر حروف الجزاء، كما لحقت مع إن لاختلاف موضعي ما المؤكدة؟ وذلك أنه قد استقبح أن يؤكد الحرف ولا يؤكد الفعل، وله من الرتبة والمزية على الحرف ما للاسم على الفعل؛ فلما أكد الحرف، والفعل أشد تمكناً منه، قبح ترك تأكيده مع تأكيد الحرف، وليس سائر حروف الجزاء مثل إن في هذا الموضع؛ لأنها أسماء، وهي حروف، فلا تنكر أن تؤكد هي دون شروطها ألا ترى أن للاسم من القدمة على الفعل ما للفعل على الحرف؛ فيقبح لذلك ترك توكيد الفعل مع الاسم، كما قبح ترك توكيده مع الحرف فإن قلت فما الذي يدل على أن التوكيد لاحق للحرف؟