وأما قوله تعالى وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أومن وراء حجاب، فينبغي أن يكون قوله أو من وراء حجاب إذا جعلت وحياً على تقدير أن يوحي - كما قال الخليل - لما لم يجز أن يكون على أن الأولى من حيث فسد في المعنى يكون من وراء حجاب على هذا متعلق بفعل محذوف في تقدير العطف على الفعل الذي يقدر صلة، لأن الموصولة بيوحى، ويكون ذلك الفعل يكلم، وتقديره ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا أن يوحى إليه أو يكلم من وراء حجاب، فحذف يكلم لجري ذكره أولاً، كما حذف الفعل في قوله كذلك لنثبت به فؤادك لجري ذكره، والمعنى كذلك أنزلنا، وكما حذف في قوله الآن وقد عصيت قبل، والمعنى الآن آمنت، فحذف، حيث كان ذكر آمنت قد جرى، وهذا لا يمتنع حذفه من الصلة، لأنه بمنزلة المثبت، وقد تحذف من الصلة أشياء للدلالة عليها، ولا يجوز أن يقدر تعلق من في قوله أو من وراء حجاب إلا بهذا، لأنك إن قدرت تعلقه بغيره فصلت بين الصلة والموصول بالأجنبي، ولا يجوز أن يقدر فعل غير هذا، كما قدر في أو في قوله إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقاً، لأن هذا اعترض يسدد ما قبله، وأنت إذا قدرت أو من وراء حجاب متعلقاً بشيء آخر كان فصلاً بأجنبي، إذ ليس هو مثل الاعتراض الذي يسدد الأول وأما من رفع فقال أو يرسل رسولاً فينبغي أن يكون قوله أو من وراء حجاب متعلقاً بمحذوف، ويكون الظرف في موضع حال، لأن قوله إلا وحياً على هذا التقدير مصدر في موضع الحال، كأنه يكلم الله إيحاء، أي موحياً، كقولك جئت ركضاً و مشياً، ويكون من في قوله من الصالحين بعد قوله ويكلم الناس في المهد وكهلاً، فهذا موضع وقعت فيه من ظرفاً في موضع الحال، كما وقع سائر حروف الجر، ومعنى أو من وراء حجاب في الوجه الأول يكلمهم غير مجاهر لهم بالكلام، أي يكلمهم من حيث لا يرى سائر المتكلمين، ليس أنه هناك حجاب يفصل موضعاً من موضع


الصفحة التالية
Icon