ولما كان كأنه قيل : لم حرم عليهم هذه الطيبات ؟ قيل :﴿ذلك﴾ أي التحريم العظيم والجزاء الكبير وهو تحريم الطيبات ﴿جزيناهم﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿ببغيهم﴾ أي في أمورهم التي تجاوزوا فيها الحدود، وفي إيلاء هذه الآية - التي فيها ما حرم على اليهود - لما قبلها مع الوفاء بالمقصود من حصر محرمات المطاعم على هذه الأمة وغيرها أمران جليلان : أحدهما بيان اطلاعه ﷺ على تفصيل ما أوحي إلي من تقدمه ولما يشامم أحداً من أتباعهم ولا دارس عالماً ولا درس علماً قط، فلا دليل على صدقه على الله أعظم من ذلك، والثاني تفضيله هذه الأمة بأنه أحل لها الخبائث عند الضرورة رحمة لهم، وأزال عنها في تلك الحالة ضرها ولم يفعل بها كما فعل باليهود في أنه حرم عليهم طائفة من الطيبات ولم يحلها لهم في حال من الأحوال عقوبة لهم، وفي ذلك أتم تحذير لهذه الأمة من أن يبغوا فيعاقبوا كما عوقب من قبلهم على ما نبه عليه في قوله ﴿غير محلي الصيد وأنتم حرم﴾ [المائدة : ١] فبان الصدق وحصحص الحق ولم يبقى لمتعنت كلام، فحسن جداً ختم ذلك بقوله ﴿وإنا لصادقون *﴾ أي ثابت صدقنا أزلاً وأبداً كما اقتضاه ما لنا من العظمة، وتعقيبه بقوله :﴿فإن﴾ أي وتسبب عن هذا الإيحاء الجامع الوجيز الدال على الصدق الذي لا شبهة فيه أنا نقول ذلك :﴿كذبوك فقل﴾ والتعبير بأداة الشك مشير إلى أن الحال يقتضي أن يستبعد أن يقع منهم تكذيب بعد هذا ﴿ربكم﴾ أي المحسن إليكم بالبيان والإمهال مع كل امتنان ﴿ذو رحمة واسعة﴾ أي فهو مع اقتداره قضى أنه يحلم عنكم بالإمهال إلى أجل يعلمه.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ٧٣٦
ولما أخبر عن رحمته، نوه بعظيم سطوته فقال :﴿ولا يرد بأسه﴾ أي إذا أراد الانتقام ﴿عن القوم المجرمين *﴾ أي المحسن إليكم بالبيان والإمهال مع كل امتنان ﴿ذو رحمة واسعة﴾ أي فهو مع اقتداره قضى أنه يحلم عنكم بالإمهال إلى أجل يعلمه.