ولما كانت رتبة الصلاح في غاية العظمة قال مشيراً إلى علو مقدارها :﴿ومن الصالحين*﴾ ومعلماً بأناه محيطة بأمره، شاملة لآخر عمره، كما كانت مقارنة لأوله، وكأنها لما سمعت ذلك امتلأت تعجباً فاستخفها ذلك إلى الاستعجال بالسؤال قبل إكمال المقال بأن ﴿قالت رب﴾ أيها المحسن إلى ﴿أنّى﴾ أي من أين وكيف ﴿يكون لي﴾ ولما كان استبعادها لملطق الحبل، لا بقيد كونه ذكراً كما في قصة زكريا عليه السلام قالت ﴿ولداً﴾ وقالت :﴿ولم يمسسني بشر﴾ لفهمها ذلك من نسبته إليها فقط.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ٨٧
قال الحرالي : والبشر هو اسم المشهود من الآدمي في جملته بمنزلة الوجه في أعلى قامته، من معنى البشرة، وهو ظاهر لاجلد انتهى (ولعل هذا الكلام خطر لها ولم تلفظ به فعلم الملك عليه لاسلام أنه شغل فكرها فأجابها عنه لتفريغ الفهم بأن ﴿قال كذلك﴾ أي مثل هذا الفعل العظيم الشأن العالم الرتبة يكون ما بشرتك به) ولما كان استبعادها لمطلق التكوين من غير سبب أصلاً عبر في تعليل ذلك بالخلق فقال :﴿الله﴾ أي الملك الأعظم الذي لا اعتراض عليه ﴿يخلق﴾ أي يقدر ويصنع ويخترع ﴿ما يشاء﴾ فعبر بالخلق إشارة إلى أن العجب فيه لا في مطلق الفعل كما في يحيى عليه السلام من حعل الشيخ كالشاب، ثم علل ذلك لبما بين سهولته فقال :﴿اذا قضى أمراً﴾ أي جل أو قل ﴿فإنما يقول له كن فيكون *﴾ بياناً للكلمة، فلما أجابها عما شغل قلبها من العجب فتفرغ الفهم أخذ في إكمال المقال بقوله عطفاً علي ﴿ويكلم الناس﴾ بالياء كما قبله في قراءة نافع وعاصم، وبالنون في قراءة الباقين نظراً إلى العظمة إظهاراً لعظمة العلم :﴿ويعلمه﴾ أو يكون الكتاب فيشمل ذلك معرفة الكتاب وحفظه وفهمه وغير ذلك من امره ﴿والحكمة﴾ أي العلوم الإلهية لتفيده تهذيب الأخلاق فيفيض عليه قول الحق وفعله على أحكم الوجوه بحيث لا يقدر أحد على نقض شيء مما يبرمه.