ولما وصفه بالعلوم النظرية والعملية فصار متأهلاً لأسرار الكتب الإلهية قال :﴿والتوراة﴾ أي التي تعرفيها ﴿والإنجيل *﴾ بإنزاله عليه تالياً لهما، وتأخيره في الذكر الشرط فيقتضي اتصاف كل مقضي بهذه الأوصاف كلها.
ولما ذكر الكتاب المنزل عليه حسن ذكر الرسالة فقال بعد ما أفاد عظمتها بجعله ما
٩٠
مضى مقدمات لها :﴿ورسولاً﴾ عطفاً على " تالياً " المقدر، أو ينصب بتقدير : يجعله ﴿إلى بني إسراءيل﴾ أي بالإنجيل.
ولما كان ذكر الرسالة موجباً لتوقع الآية دلالة على صحتها، وكان من شأن الرسول مخاطبة المرسل إليهم وإقباله بجميع رسالته عليهم اتبعه ببيان الرسالة مقروناً بحرف التوقع فقال :﴿أني﴾ أي ذاكراً أني ﴿قد جئتكم بآية من ربكم﴾ أي الذي طال إحسانه إليكم، ثم أبدل من " آية " ﴿إني أخلق لكم﴾ أي لأجل تربيتكم بصنائع الله ﴿من الطين﴾ قال الحرالي : هو متخمر الماء والتراب حيث يصير متهيئاً لقبول وقع الصورة فيه ﴿كهيئة﴾ وهي كيفية وضع أعضاء الصورة بعضها من بعض التي يدركها ظاهر الحسن - انتهى وهي الصورة المتهيئة لما يراد منها ﴿الطير﴾ ثم ذكر احتياجه في إحيائه إلى معالجة بقوله معقباً للتصوير :﴿فأنفخ﴾ قال الحرالي : من النفخ، وهو إرسال الهواء من منبعثه بقوة انتهى.
﴿
جزء : ٢ رقم الصفحة : ٨٧
فيه﴾ أي في ذلك الذي هو مثل الهيئة ﴿فيكون طيراً﴾ أي طائراً بالفعل - كما في قراءة نافع، وذكر المعالجة لئلا يتوهم أنه خالق حقيقة، ثم أكد ذلك إزالة لجميع الشبه بقوله :﴿بإذن الله﴾ أي بتمكين الملك الأعظم الذي له جميع صفات الكمال، له روح كامل لحمله في الهواء تذكيراً بخلق آدم عليه السلام من تراب، وإشارة إلى أن هذا أعجب من خلق آدمي من أنثى فقط فلا تهلكوا في ذلك.