ولما كان المستحق بغاية الذم إنما هو من اتصل توليه بالموت لم يقرن الظرف بجار فقال :﴿من بعد﴾ أي الميثاق البعيد الرتبة بما فيه من الوثاقة ﴿فأولئك﴾ أي البعداء من خصال الخير ﴿هم الفاسقون *﴾ أي المختصون بالخروج العظيم عن دائرة الحق.
ولما كان المدرك لكل نبي إنما هم أمة النبي الذي قبله، وكانوا يكذبونه ويخالفونه قال - خاتماً لهذه القصص بعد الشهادة بنفسه المقدسة بما بدأها به في قوله ﴿شهد الله﴾ الآية إلى ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ على وجه الإنكار والتهديد عاطفاً على ما دل عليه السياق - :﴿أفغير﴾ أي أتولوا ففسقوا، فتسبب عن ذلك أنهم غير دين الله، وأورد بأن
١١٩
تقديم " غير " يفهم أن الإنكار منحط على طلبهم اختصاصاً لغير دين الله، وليس ذلك هو المراد كما لا يخفى، وأجيب بأن تقديمه الاهتمام بشأنه في الإنكار، والاختصاص متأخر مراعاته عن نكبة غيره - كما تقرر في محله ﴿دين الله﴾ الذي اختص بصفات الكمال ﴿يبغون﴾ أي يطلبون بفسقهم، أو أتوليتم - على قراءة الخطاب ﴿وله﴾ أي والحال أنه له حاصة ﴿أسلم﴾ أي خضع بالانقياد لأحكامة والجري تحت مراده وقضائه، لا يقدرون على مغالبة قدره بوجه ﴿من في السموات والأرض﴾ وهم من لهم قوة الدفاع بالبدن والعقل فكيف بغيرهم ﴿طوعاً﴾ بالإيمان أو بما وافق أغراضهم ﴿وكرهاً﴾ بالتسليم لقهره في إسلام أحدهم وإن كثرت أعوانه وعز سلطانه إلى أكره ما يكره وهو صاغرا داخر، لا يستطيع أمراً ولا يجد نصراً ﴿وإليه يرجعون *﴾ بالحشر، لا تعالجون مقراً ولا تلقون ملجأ ولا مفراً، فإذا كانوا كذلك لا يقدرون على التفصي من قبضته بنوع قوة ولا حيلة في سكون ولا حركة فكيف يخالفون ما أتاهم من أمره على ألسنة رسله وقد ثبت أنهم رسله بما أتى به كل منهم من المعجزة! ومن المعلوم أن المعاند للرسول ﷺ معاند للمرسل.


الصفحة التالية
Icon