له الكمال كله متوقعاً للفلاح عبر بأداة التوقع مقرونة بفاء السبب فقال :﴿فقد هدى﴾ وعبر بالمجهول على طريقة كلام القادرين ﴿إلى صراط مستقيم *﴾ ولما انقضى هذا التحذير من أهل الكتاب والتعجيب والترغيب، أمر بما يثمر ذلك من رضاه فقال :﴿ياأيها الذين آمنوا﴾ أي ادعوا ذلك بألسنتهم ﴿اتقوا الله﴾ أي صدقوا دعواكم بتقوى ذي الجلال والإكرام ﴿جق تقاته﴾ فأديموا الانقياد له بدوام مراقبته ولا تقطعوا أمراً دونه ﴿ولا تموتن﴾ على حالة من الحالات ﴿إلا وأنتم مسلمون *﴾ أي منقادون أتم الانقياد، ونقل عن العارف أبي الحسن الشاذلي أن هذه الآية في اصل الدين وهو التوحيد، وقوله سبحانه وتعالى :﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن : ١٦] في فروعه.
ولما كان عزم الإنسان فاتراً وعقله قاصراً، دلهم - بعد أن أوقفتهم التقوى - على الأصل لجميع الخيرات المتكفل بالحفظ من جميع الزلات فقال :﴿واعتصموا﴾ أي كلفوا أنفسكم الارتباط الشديد والانضباط العظيم ﴿بحبل الله﴾ أي طريق دين الملك الذي لا كفوء له التي نهجها لكم ومهدها، وأصل الحبل السبب الذي يوصف به إلى البغية والحاجة، وكل من يمشي على طريق دقيق يخاف أن تزلق رجله عنه إذا تمسك بحبل مشدود الطرفين بجانبي ذلك الطريق أمن الخوف، ولا يخفى دقة الصراط بما ورد به النقل الصحيح مثال دقته، فمن قهر نفسه وحفظها على التمسك به حفظ عن السقوط عما هو مثاله.


الصفحة التالية
Icon