ولما قدم ما لأهل الكتاب المقدمين على الكفر على علم يوم القيامة في قوله ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم﴾ [آل عمران : ٧٧] وختم تلك الآية بأنهم لهم عذاب أليم واستمر حتى ختم هذه الآية بأنه مع ذلك عظيم ؛ بين ذلك اليوم بقوله - بادئاً بما هو أنكى لهم من تنعيم أضدادهم - :﴿يوم تبيض وجوه﴾ أي بما لها من المآثر الحسنة ﴿وتسود وجوه﴾ بما عليها من الجرائر السيئة ﴿فأما الذين اسودت وجوههم﴾ بدأ بهم لأن النشر المشوش أفصح، ولأن المقام للترهيب وزيادة النكاية لأهله، فيقال لهم توبيخاً وتقريعاً :﴿أكفرتم﴾ يا سود الوجوه وعبيد الشهوات! ﴿بعد إيمانكم﴾ بما جبلتم عليه من الفطر السليمة ومكنتم به من العقول المستقيمة من النظر في الدلائل، ثم بما أخذ عليكم أنبياؤكم من العهود ﴿فذوقوا العذاب﴾ أي الأليم العظيم ﴿بما كنتم تكفرون *﴾ وأنتم تعلمون، فإنكم في لعنة الله ماكثون ﴿وأما الذين ابيضت وجوهم﴾ إشراقاً وبهاء لأنهم آمنوا فأمنوا من العذاب ﴿ففي رحمة الله﴾ أي ثمرة فعل ذي الجلال والإكرام الذي هو فعل الراحم.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ١٣٢
لا في غير رحمته.
ثم أجاب عن سؤال من كأنه قال : هل تزول عنهم كما هو حال النعم في الدنيا ؟ بقوله - على وجه يفهم لزومها لهم في الدنيا والآخرة - :﴿هم﴾ أي خاصة ﴿فيها خالدون﴾ فلذا كانوا يؤمنون، فالآية من الاحتباك : إثبات الكفر أولاً دل على إرادة الإيمان ثانياً، وإثبات لارحمة ثانياً دل على حذف اللعنة أولاً.


الصفحة التالية
Icon