ولما أتم وصف السابقين وهم المتقون واللحقين وهم التائبون قال - معلماً بجزائهم الذين سارعوا إليه من المغفرة والجنة مشيراً إليهم بأداة البعد تعظيماً لشأنهم على وجه معلم بأن أحدأً لا يقدر الله حق قدره - :﴿أولئك﴾ أي العالو الرتبة ﴿جزآؤهم مغفرة﴾ أي لتقصيرهم أو لهفواتهم أو لذنوبهم، وعظمها بقوله :﴿ن ربهم﴾ أي المسحن غليهم بكل إحسان، وأتبع ذلك للإكرام فقال :﴿وجنات﴾ أيّ جنات، ثم بين عظمها بقوله :﴿تجري من تحتها الأنهار﴾ حال كونكم ﴿خالدين فيها﴾ هي أجرهم على عملهم ﴿ونعم أجر العالمين *﴾ هي، هذا على تقدير أن تكون الإشارة لجميع الموصوفين، وإن كانت للمستغفرين خاصة فالأمر واضح في نزول رتبتهم عمن قبلهم.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ١٥٥
ولما فرغ من بيان الزلل الذي وقع لهم به الخلل، والترهيب مما يوقع فيه، والترغيب فيما ينجى منه في تلك الأساليب التي هي أحلى من رائق الزلال ولذيذ الوصال بعد طول المطال أخذ يشجعهم على الجهاد لذوي الفساد، فبدأ بالسبب الأقوى، وهو الأمر بمشاهدة مصارع من مضى من المكذبين برؤية ديارهم وتتبع آثارهم مع أنهم كانوا أشد خلقاً وأقوى همماً وأكثر عدداً وأحكم عدداً، فقال تعالى معللاً لأمر بالمسارعة إلى المغفرة :﴿قد خلت﴾ ولما كان العلم بالقريب في الزمان والمكان أتم، وكان الذين وقعت فيهم السنن جميع أهل الأرض، ولا في جميع الزمان، أثبت الجار فقال :﴿من قبلكم﴾ أى فلا تظنوا بما أملى لهم بهذه الإدالة أن نعمته انقطعت عنهم
١٥٨


الصفحة التالية
Icon