ولما كان قبول نعيم وركب عبد القيس لذلك الجعل الذي هو من أسباب الكفر شرى الكفر بالإيمان عقب بقوله :﴿إن الذين اشتروا الكفر﴾ أي فأخذوه ﴿بالإيمان﴾ أي فتركوه، وأكد نفي الضرر وأبده فقال :﴿لن يضروا الله﴾ أي الذي لا كفوء له ﴿شيئاً﴾ لما يريد سبحانه وتعالى من الإعلاء للإسلام وأهله، وختمها بقوله :﴿ولهم عذاب اليم *﴾ لما نالوه من لذة العوض في ذلك الشرى كما هي العادة في كل متجدد من الأرباح والفوائد.
ولما كان من اشترى به الكفر رجوع المنافقين عن أحد الذي كان سبباً للإملاء لهم قال سبحانه وتعالى :﴿ولا يحسبن الذين كفروا﴾ أي بالله ورسوله ﴿إنما نملي﴾ أي أن إملاءنا أي إمهالنا وإطالتنا ﴿لهم خير لأنفسهم﴾ ولما نفى عنهم الخير بهذا النهي تشوفت النفس إلى ما لهم فقال :﴿إنما نملي لهم﴾ أي استدراجاً ﴿ليزدادوا إثماً﴾ وهو جميع ما سبق العلم الأزلي بأنهم يفعلونه، فإذا بلغ النهاية أوجب الأخذ.
ولما كان الرجوع المسفر عن السلامة مظنة لعزهم في هذه الدار الفانية عند من ظن حسن ذلك الرأي ؛ عوضوا عنه الإهانة الدائمة فقال سبحانه وتعالى :﴿ولهم عذاب مهين *﴾
جزء : ٢ رقم الصفحة : ١٨٤
ولما كان مطلق المسارعة أعم مما بالعوض، وهو أعم مما بالرجوع، جاء نظم الآيات على ذاك ؛ ولما كشفت هذه الوقعة جملة من المغيبات من أعظمها تمييز المخلص فعلاً أو قولاً من غيره، أخبر تعالى أن ذلك من أسرارها على وجه يشير إلى النعي على المنافقين بتأخيرهم أنفسهم بالرجوع وغيره فقال مشيراً بخطاب الأتباع إلى مزيد علمه ﷺ وعلو درجته لديه وعظيم قربه منه سبحانه وتعالى :﴿ما كان الله﴾ أي مع ما له من صفات الكمال.


الصفحة التالية
Icon