﴿لآيات﴾ أي على جميع ما جاءت به الرسل عن الخالق، وزاد الحث على التفكر والتهييج إليه والإلهاب من أجله بقوله :﴿لأولي الألباب *﴾ وذكر سبحانه وتعالى في أخت هذه الآية في سورة البقرة ثمانية أنواع من الأدلة واقتصر هنا على ثلاثة، لأن السالك يفقتر في ابتداء السلوك إلى كثرة الأدلة.
فإذا استنار قلت حاجته إلى ذلك، وكان الإكثار من الأدلة كالحجاب الشاغل له عن استغراق القلب في لجج المعرفة، واقتصر هنا من آثار الخلق على السماوية لأناه أقهر وأبهر والعجائب فيها أكثر، وانتقال القلب منها إلى عظمته سبحانه وتعالى وكبريائه أشد وأسرع، وختم تلك بما هو لأول السلوك : العقل، وختم هذه بلبه لأنها لمن تخلص من وساوس الشيطان وشوائب هواجس الوهم المانعة من الوصول إلى حق اليقين بل علم اليقين.
ولما كان كل مميز يدعي أنه في الذروة من الرشاد نعتخم بما بين من يعتد بقعله فقال :﴿الذين يذكرون الله﴾ أي الذي ليس في خلقه لهما ولا لغيرهما شك، وله جميع أوصاف الكمال.
ولما كان المقصود الدوام وكان قد يتجوز به عن الأكثر، وله جميع التفصيل نفياً لاحتمال التجوز ودفعاً لدعوى العذر فقال :﴿قياماً وقعوداً﴾ ولما كان أكثر الاضطجاع على الجنب قال :﴿وعلى جنوبهم﴾ أي في اشتغالهم بأشغالهم وفي وقت استراحتهم وعند منامهم، فهم في غاية المراقبة.
ولما بدأ من أوصافهم بما يحلو أصداء القلوب ويسكنها وينفي عنها الوساوس حتى استعدت لتجليات الحق وقبول الفيض بالفكر لانتفاء قوة الشهوة وسورة الغضب وقهرها وضعف داعية الهوى، فزالت نزغات الشيطان ووساوسه وخطرات النفس ومغالطات الوهم قال :﴿ويتفكرون﴾ أي على الأحوال.
ولما كانت آيات المعرفة إما في الآفاق وإما في الأنفس، وكانت آيات الآفاق أعظم ﴿لخلق السموات والأرض اكبر من خلق الناس﴾ [غافر : ٥٧].
جزء : ٢ رقم الصفحة : ١٩٦


الصفحة التالية
Icon