قال :﴿في خلق السموات والأرض﴾ على كبرهما واتساعهما وقوة ما فيهما من النافع لحصر الخلائق فيعلمون - بما في ذلك من الأحكام مع جري ما فيهما من الحيوان الذي خلقا لأجله على غير انتظام - أن وراء هذه الدار داراً يثبت فيها الحق وينفى الباطل ويظهر العدل ويضمحل الجور، فيقولون تضرعاً إليه وإقبالاً عليه :﴿ربنا﴾ أي أيها المحسن إلينا ﴿ما خلقت هذا﴾ أي الخلق العظيم المحكم ﴿باطلاً﴾ أي لأجل هذه الدار التي لا تفصل فيها على ما شرعت القضايا، ولا تنصف فيها الرعاة الرعايا، بل إنما خلقته لأجل دار أخرى، يكون فيها محض العدل، ويظهر فيها الفصل.
ولما كان الاقتصار على هذه الدار مع ما يشاهده من ظهور الأشرار نقصاً ظاهراً
١٩٧
وخللاً بيناً نزهوه عنه فقالوا :﴿سبحانك﴾ وفي ذلك تعليم العباد أدب الدعاء بتقديم الثناء قبله، وتنبيه على أن العبد كلما غرزت معرفتة زاد خوفه فزاد تضرعه، فإنه يحسن منه كل شيء من تعذيب الطائع وغيره، ولولا أن ذلك كذلك لكانء الدعاء بدفعه عبثاً، وما أحسن ختمها حين تسبب عما مضي تيقنهم أن أمامنا داراً يظهر فيها العدل مما هو شأن كل أحد في عبيده، فيعذب فيها العاصي وينعم فيها الطائع، كما هو دأب كل ملك في رعيته بقولهم رغبة في الخلاص في تلك الدار :﴿فقنا عذاب النار *﴾ على وجه جمع بين ذكر العذاب المختتم به آية محّبي المحمدة بالباطل، والنار المحذر منها في ﴿فمن زحزح عن النار﴾ [آل عمران : ١٨٥] ثم تعقبها بقولهم معظمين ما سألوا فدعه من العذاب ليكون موضع السؤال أعظم، فيدل على أن الداعية في ذلك الدعاء أكمل وإخلاصه أتم، مكررين الوصف المقتضي للإحسان مبالغة في إظهار الرغبة استمطاراً للإجابة :﴿ربنا﴾ وأكدوا مع علمهم بإحاطة علم المخاطب إعلاماًَ بأن حالهم في تقصيرهم حال من أمن النار حثاً لأنفسهم على الاجتهاد في العمل فقالوا :﴿إنك من تدخل النار﴾ أي للعذاب ﴿فقد أخزيته﴾ أي أذللته وأهنته إهانة عظيمة بكونه ظالماً.