والله سبحانه وتعالى عالم به وقادر عليه، فلو راد لرده ولو شاء لأهلكه بطغيانه، فاتركه وذاك! عبر عن ذلك كله بقوله :﴿فما أرسناك﴾ أي بعظمتنا ﴿عليهم حفيظاً﴾ إنما أرسلناك داعياً.
ولما كان من شأن الرسول ﷺ أن يحفظ من أطاعه ومن عصاه ليبلغ ذلك من أرسله، وكان سبحانه وتعالى قد أشار له إلى الأعراض عن ذلك، لكونه لا يحيط بذلك علماً وإن اجتهد ؛ شرع يخبره ببعض ما يخفونه فقال حاكياً لبعض أقوالهم مبيناً لنفاقهم فيه وخداعهم ﴿ويقولون﴾ أي إذا أمرتهم بشيء من أمرنا وهم بحضرتك ﴿طاعة﴾ أي كل طاعة منا لك دائماً، نحن ثابتون على ذلك، والتنكير للتعظيم بالتعميم ﴿فإذا برزوا﴾
٢٨٥
أي خرجوا ﴿من عندك بيَّت طائفة﴾ هم في غاية التمرد ﴿منهم﴾ أي قدرت وزورت على غاية من التقدير والتحرير مع الاستدارة والتقابل كفعل من يدبر الأمور ويحكمها ويتقنها ليلاً ﴿غير الذي تقول﴾ أي تجدد قوله لك في كل حين من الطاعة التي أظهروها أو غير قولك الذي بلغته لهم، وأدغم أبو عمرو وحمزة التاء بعد تسكينها استثقالاً لتوالي الحركات في الطاء لقرب المخرجين، والطاء تزيد بالإطباق، فحسن إدغام الأنقص في الأزيد ؛ وأظهر الباقون، والإدغام أوفق لحالهم، والإظهار أوفق لما فصح من محالهم.
ولما كان الإنسان من عادته إثبات الأمور التي يريد تخليدها بالكتابة أجرى الأمر على ذلك فقال :﴿والله﴾ ي والحال أن الملك المستجمع لصفات الكمال ﴿يكتب ما يبيتون﴾ أي يجددون تبييته كلما فعلوه، وهو غني عنه ولكن ذلك ليقربهم إياه يوم يقوم الأشهاد، ويقيم به الحجة عليهم على ما جرت به عادتهم، أو يوحى به إليك فيفضحهم بكتابته وتلاوته مدى الدهر، فلا يظنوا أن تبييتهم يغنيهم شيئاً.