ولما كان الإنسان لا يخلو عن زلل وإن اجتهد في العمل قال :﴿ومغفرة﴾ أي محواً لذنوبهم بحيث أنها لا تذكر ولا يجازى عليها ﴿ورحمة﴾ أي كرامة ورفعة ﴿وكان الله﴾ أي المحيط بالأسماء الحسنى والصفات العلى ﴿غفوراً رحيماً *﴾ أزلاَ وأبدأ، لم يتجدد له ما لم يكن ؛ ثم علل ذلك بأبلغ حث على الهجرة فقال :﴿إن الذين توافاهم الملائكة﴾ أي تقبض أرواحهم كاملة على ما عندهم من نقص بعض المعاني بما تركوا من ركن الهجرة بما أشارة إليه حذف التاء، وفي الحذف إرشاد إلى أنه إذا ترك من يسعى في جبره بصدقة أو حج ونحوه من أفعال البر جُبر، لأن الأساس الذي تبنى عليه الأعمال الصالحة موجود وهو الإيمان ﴿ظالمي أنفسهم﴾ أي بالقعود عن الجهاد بترك الهجرة والإقامة في بلاد الحرب حيث لا يتمكنون من إقامة شعائر الدين كلها ﴿قالوا﴾ أي الملائكة موبخين لهم ﴿فيم كنتم﴾ أي في أي شيء من الأعمال والأحوال كانت إقامتكم في بلاد الحرب.
٣٠٢
ولما كان المراد من هذا السؤال التوبيخ لأجل ترك الهجرة ﴿قالوا﴾ معتذرين ﴿كن مستضعفين في الأرض﴾ أي أرض الكفار، لا نتمكن من إقامة الدين، وكأنهم أطلقوها إشارة إلى أنها عندهم لاتساعها لكثرة الكفار هي الأرض كلها، فكأنه قيل : هل قنع منهم بذك ؟ فقيل : لا، لأنهم لم يكونوا ضعفاء عن الهجرة، فكأنه قال : فما قيل لهم ؟ فقيل :﴿قالوا﴾ أي الملائكة بياناً لأنهم لم يكونوا ضعفاء عن الهجرة إلى موضع يأمنون فيه على دينهم ﴿ألم تكن أرض الله﴾ أي المحيط بكل شيء، الذي له كل شيء ﴿واسعة فتهاجروا﴾ أي بسبب استاعها كل من يعاديكم في الدين ضاربين ﴿فيها﴾ أي إلى حيث يزول عنكم المانع، فالآية من الاحتباك : ذكر الجهاد أولاً في ﴿وفضل الله المجاهدين﴾ [النساء : ٩٥] دليل عى حذفه ثانياً بعد ﴿ظالمي أنفسهم﴾ [النساء : ٩٧]، وذكر الهجرة ثانياً دليل على حذفها أولاً بالقعود عنها، ولذلك خص الطائفة الأولى بوعد الحسنى.


الصفحة التالية
Icon