ولما حذرهم وبخهم على قلة فطنتهم وزيادة في التحذير بأن مجادلتهم هذه سبب لوقوع الحكومة بين يديه سبحانه وتعالى فقال :﴿فمن يجادل الله﴾ أي الذي له الجلال كله ﴿عنهم﴾ أي حين تنقطع الأسباب ﴿يوم القيامة﴾ ولا يفترق الحال في هذا بين أن تكون " ها " من ﴿هأنتم﴾ للتنبيه أو بدلاً عن همزة استفهام - على ما تقدم، فإن معنى الإنكار هنا واضح على كلا الأمرين.
ولما كان من أعظم المحاسن كف الإنسان عما لا علم له به، عطف على الجملة من أولها من غير تقييد بيوم القيامة منبهاً على قبح المجادلة عنهم بقصور علم الخلائق قوله :﴿أم من يكون﴾ أي فيما يأتي من الزمان ﴿عليهم وكيلاً *﴾ أي يعلم منهم ما يعلم الله سبحانه وتعالى بأن يحصي أعمالهم فلا يغيب عنه منها شيء ليجادل الله عنهم، فيثبت لهم ما فارقوه، وينفي عنهم ما لم يلابسوه ويرعاهم ويحفظهم مما يأتيهم به القدر من الضرر والكدر.
٣١٤
ولما نهى عن نصرة الخائن وحذر منها، ندب إلى التوبة من كل سوء فقال - عاطفاً على ما تقديره : فمن يصر على مثل هذه المجادلة يجد الله عليماً حكيماً - :﴿من يعمل سوءاً﴾ أي قبيحاً متعدياً يسوء غيره شرعاً، عمداً - كما فعل طعمة - أو غير عمد ﴿أو يظلم نفسه﴾ بما لا يتعداه إلى غيره شركاً كان أو غيره، أو بالرضى لها بما غيره أعلى منه، ولم يسمه بالسوء لأنه لا يقصد نفسه بما يضرها في الحاضر ﴿ثم يستغفر الله﴾ أي يطلب من الملك الأعظم غفرانه بالتوبة بشروطها ﴿يجد الله﴾ أي الجامع لكل كمال ﴿غفوراً﴾ أي ممحيّاً للزلات ﴿رحيماً *﴾ أي مبالغاً في إكرام من يقبل إليه " من تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً، ومن تقرب مني ذراعاً تقربت نمه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة " روى إسحاق بن راهويه عن عمر رضي الله تعالى عنه وأبو يعلى الموصلي عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه أن هذه الآية نسخت ﴿من يعمل سوءاً يجز به﴾ [النساء : ١٢٣] وأنها نزلت بعدها.